الدنيا والآخرة » وهذا إنما هو لمن أظهر الكفر فيجاهده الرسول بإقامة الحد والعقوبة . ولهذا ذكر هذا في سياق قوله : « جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم » ولهذا قال في تمامها : « وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير » .
وهؤلاء الصنف الذين كفروا بعد إسلامهم غير الذين كفروا بعد إيمانهم فإن هؤلاء حلفوا بالله ما قالوا وقد قالوا كلمة الكفر التي كفروا بها بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وهو يدل على أنهم سعوا في ذلك فلم يصلوا إلى مقصودهم ؛ فإنه لم يقل : هموا بما لم يفعلوا لكن « بما لم ينالوا » فصدر منهم قول وفعل قال تعالى : « ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب » فاعترفوا واعتذروا ؛ ولهذا قيل : « لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين » فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفرا وكان كفرا كفروا به فإنهم لم يعتقدوا جوازه وهكذا قال غير واحد من السلف في صفة المنافقين الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة أنهم أبصروا ثم عموا وعرفوا ثم أنكروا وآمنوا ثم كفروا . وكذلك قال قتادة ومجاهد : ضرب المثل لإقبالهم على المؤمنين ؛ وسماعهم ما جاء به الرسول وذهاب نورهم قال : « مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب
الإيمان — صفحة 260
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٠