لتولي عن الطاعة فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر . وضد التصديق التكذيب وضد الطاعة التولي فلهذا قال : « فلا صدق ولا صلى » « ولكن كذب وتولى » وقد قال تعالى : « ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين » فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى بالقول . وقال تعالى : « إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه » وقال : « إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم » .
ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة كما نفى فيها الإيمان عن المنافق . وأما العالم بقلبه مع المعاداة والمخالفة الظاهرة فهذا لم يسم قط مؤمنا ؛ وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه فهو مؤمن كامل الإيمان إيمانه كإيمان النبيين ولو قال وعمل ماذا عسى أن يقول ويعمل ؟ ولا يتصور عندهم أن ينتفي عنه الإيمان إلا إذا زال ذلك العلم من قلبه .
ثم أكثر المتأخرين الذين نصروا قول جهم يقولون بالاستثناء في الإيمان ويقولون : " الإيمان في الشرع " هو ما يوافي به العبد ربه وإن كان في اللغة أعم من ذلك فجعلوا في " مسألة الاستثناء " مسمى الإيمان ما ادعوا أنه مسماه في الشرع وعدلوا عن اللغة . فهلا فعلوا هذا في الأعمال . ودلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة بخلاف دلالته على أنه لا يسمى إيمانا ؛ إلا ما مات الرجل عليه فإنه ليس
الإيمان — صفحة 137
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٧