ولا إشكال - كما هو الظاهر من عبارة المحقّق - في جواز الاستفادة من الأفيون أو السقمونيا أو نحوهما ممّا لا يقتل قليله للتداوي والمعالجة إذا لم يكن في ذلك مخاطرة ، وأمّا إذا كانت الاستفادة المذكورة موجبة للمخاطرة فلا يجوز في مقام المعالجة فضلا عن غيره ؛ لما مرّ من قوله تعالى :
( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )
؛ إذ صدق التهلكة لا يختصّ بموارد العلم بالموت ، بل يشمل موارد الظنّ بل الاحتمال العقلائي ؛ ولعلّه لذا اعترض الإمام عليه السلام على من غسّل المجدور غسل الجنابة فمات ، كما ورد في معتبرة محمّد بن سكين وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : قيل له : إنّ فلاناً أصابته جنابة وهو مجدور ، فغسّلوه فمات ؟ فقال : « قتلوه ، ألا سألوا ؟ ! ألا يمّموه ؟ ! إنّ شفاء العيّ السؤال » « 1 » .
ومن المعلوم أنّ مغسّل المجدور لم يعلم بأنّ تغسيله يوجب القتل ؛ وإلّا لما غسّله ، وعليه يكون اعتراض الإمام مختصّاً بصورة الظنّ أو الاحتمال العقلائي للخطر .
هذا مضافاً إلى حكم العقلاء بوجوب الاجتناب عن صورة المخاطرة ومظانّها مع عدم الردع عنه .
ودعوى : أنّ الاجتناب عن صورة المخاطرة ومظانّها لكون الفرار من الخطر جبلّيّاً ، ولا حكم فيه للعقلاء حتّى يكون عدم الردع عنه إمضاءً له شرعاً .
مندفعة : بأنّه لا يمنع ذلك عن حكم العقلاء بوجوب الاجتناب عنه أيضاً ، فيكون ذلك الحكم - بضميمة عدم الردع - حكماً شرعيّاً إمضائيّاً .
لا يقال : لا حاجة إلى الحكم الشرعي المستفاد من عدم الردع .
لأنّا نقول : بل الحاجة إلى الحكم الشرعي متحقّقة ولو بإمضاء الحكم العقلائي ؛ إذ ربّما لا يمنع الفرار الجبلّي عن الوقوع في الخطر ، بل يحتاج إلى التأكيد الشرعي .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة / ج 3 ، ص 346 ، الباب 5 من أبواب التيمم ، ح 1 .