وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها
. « 1 »
مؤلف : عن ابن مسعود : قال كنت رديف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على حمار ، فقال :
يا ابن أمّ عبد ! هل تدري من أين أحدثت بنوا إسرائيل الرهبانيّة ؟ فقلت : اللّه و رسوله أعلم ، فقال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السّلام يعملون بمعاصي اللّه فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرّات منهم مرّات منهم إلّا القليل ، فقالوا : إن ظهرنا لهؤلاء افنونا و لم يبق للدين أحد يدعو إليه ، فتعالوا نتفرّق في الأرض إلى أن يبعث اللّه النبيّ الذي وعدنا به عيسى عليه السّلام يعنون محمّدا صلّى اللّه عليه و آله فتفرّقوا في غير ان الجبال و أحدثوا رهبانيّة .
علّامه شعرانى : غير ان جمع الغار . و يستفاد من هذه الآية و هذا الحديث البدعة ليست حراما مطلقا ، بل منها ما هو مستحبّ يبتغي به رضوان اللّه . فإنّ النصارى ابتدعوا الرهبانيّة و ابتغوا رضوان اللّه و قرّرهم اللّه تعالى و لم ينكر عليهم إلّا عدم رعايتها . و قال الشهيد الثاني في الروضة « 2 » : البدعة تنقسم بانقسام الأحكام إلى خمسة أقسام .
أقول : من البدعة المستحسنة إعراب القرآن ، و منها المنائر و سقوف المساجد في البلاد الباردة و الحارّة ، منها بعض النذور و بعض أنواع الإطعام إلى غير ذلك ، فإنّ جميع ذلك بدعة ، أي أمر حادث جديد لم يكن أوّل الإسلام .
و اعلم أنّ مثل هذا الكلام لا يصحّ إلّا من النبيّ العالم بخفيّات الأمور ؛ فإنّ ادّعاء أنّه لا يوجد في كتب النصارى أمر من اللّه تعالى بالرهبانيّة شهادة على النفي و لا يمكن الشهادة بعدم الوجود إلّا من العالم الممارس الذي تكون مضامين جميع الكتب معلومة لديه ، فدعواه ممّن لم يقرأ كتبهم طول عمره و لم يصرف مدّة كثيرة في درسها و تعلّمها معجزة باهرة . « 3 »
هامش
( 1 ) . حديد ( 57 ) آيهء 27 .
( 2 ) . شهيد ثانى ، الروضة البهية ، ج 1 ، ص 581 .
( 3 ) . مجمع البيان ، ج 9 ، ص 244 .