إذن ، فأولئك الذين يقولون : إنَّ الحقَّ يتعدّد ، وإنَّ الكلَّ يصلون إلى الحقِّ ، وأنَّ كلَّ واحدٍ من الأقوال أو الأحزاب له نصيب من الحق ، كلُّ ذلك بعيد عن الصواب ومخالفٌ للقرآن الكريم . يقول تعالى :
« فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلال » « 1 »
ومن جملة خصوصيّات الحقِّ أيضاً ، إنّه معرِّفٌ لنفسه ، ولا يحتاج إلى ما يعرِّفه ، بل الآخرون يحتاجون إلى تعريفهم بالحق ، لا العكس ، فالحق هو الميزان لمعرفة الآخرين ، لا أن يكون الآخرون ميزاناً لمعرفة الحقّ ، فإن من يريد أن يعرِّف الحقَّ لا يخرج عن أحد حالين : إمّا أن يكون عالماً وإمّا أن يكون ظانّاً .
فإن كان كلامه وتعريفهُ عن علم ، فإنّ ذلك يعني إنّه أخذ كلامه من الحق .
وإن كان ما يقوله ظنّاً منه ، فلا قيمة لكلامه حينئذٍ . يقول تعالى :
« انَّ الظَّنَّ لا يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئا » « 2 »
ومن هنا ، فإنّ ذلك الشخص الذي جاء إلى أمير المؤمنين علي عليه السّلام يوم حرب الجمل وقال له : يا أمير المؤمنين ، لقد شككتُ في الأمر ، فطلحة والزبير وعائشة في جانب ، وأنت وأصحابك في المقابل ، فأين الحقّ ؟
فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام :
« اعرف الحقَّ تَعرفُ أهلَه » . « 3 »
وفي رواية أخرى ، قال عليه السّلام له :
هامش
( 1 ) سورة يونس ( 10 ) : الآية 32 .
( 2 ) سورة يونس ( 10 ) : الآية 36 .
( 3 ) أنساب الأشراف : 238 و 239 و 274 ؛ فيض القدير 1 / 272 و 4 / 23 ، رقم 4409 ؛ تفسير الكشاف 4 / 5 ؛ تاريخ اليعقوبي 2 / 210 .