من العقود ، فنقول : حيث إنّ الصدقة كسائر العناوين المعاملية فلابدّ من النظر فيها عند العقلاء والمتشرعة لنري انها عقد عندهم أو إيقاع ؟ ونحن إذا لاحظناهم نري أنّهم يرون قبول المتصدق عليه دخيلًا في هذا العنوان كدخله في عنوان الهبة والهدية ، فإن الناس مسلّطون علي أنفسهم ، كما أنّهم مسلّطون علي أموالهم ، فربما لا يرضي الشخص بقبول الصدقة ولا الهبة ولا الهدية .
بل لنا أن نقول : إنّ الإبراء أيضاً لا يتحقق إلا بقبول المديون ، فإنّه ربما يتأبّي نفسه عن قبول الإبراء ويريد أن يؤدّي دينه بنفسه ولو بالاستدانة من غير هذا الدائن وأدائه إليه ، ولا دليل لنا علي وجوب قبوله للإبراء ؛ فعلي هذا لنا أن نقول إن الصدقة تفتقر إلي القبول عند العقلاء وأمّا عدم ذكر القبول في الآية فهو من جهة أنّ المديون ربما يقبل الإبراء ، لأنه لا طريق له من التخلّص عن الدائن إلا بهذا الوجه .
هذا مضافاً إلي أنّ الآية ليست بصدد بيان كل شرط يكون في الصدقة ، كما أنها ليست بصدد بيان دخل قصد القربة في الصدقة وعدمه لنأخذ بإطلاقها كما مرّ عن جامع المقاصد ، وكذا يمكن أن يكون المراد قصد الصدقة بالمال الذي ينتج الإبراء . فعلي هذا مقتضي القاعدة هو احتياج الصدقة إلي القبول وقد أمضاه الشرع الأنور بالإجماع الذي ادّعاه في الجواهر عن جمع مع عدم وجدان خلاف فيه ، بل عدم ردع الشرع عن هذا البناء العقلائي يكفي في عدم تحقّقه بعدم القبول ، فما عن السيد في العروة من عدم لزوم القبول في الصدقة خلافاً للمشهور غير ظاهر الوجه .
نعم ، لو فرض أنّ الذي يقبل الصدقة نعلم أنّه لو علم نيّة هذا العنوان أيضاً لكان قابلًا صحّت الصدقة بالإعطاء والأخذ ، وأمّا علي غير هذا الفرض فمجرد القبول بدون العلم بالعنوان لا يكفي في تحقّقها .
الباقيات الصالحات (كتاب الوقوف و الصدقات) — صفحة 489
مساهمون: الشيخ محمد على إسماعيل پور القمشهاى
ص٤٨٩