والقول بأنّ القبلة للبعيد سمت الكعبة وجهتها راجع في الحقيقة إلى ما ذكرنا ، وإن كان مرادهم الجهة العرفيّة المسامحيّة فلا وجه له .
شرح
ومنها : مرسل الصدوق : « صَلَّى رسولُ اللَّهِ إِلى بَيتِ المَقدِسِ بعدَ النُّبوُّةِ ثَلاثَ عَشَرةَ سَنَةً بمكّةَ وتِسعَةَ عَشَرَ شهراً بالمدينةِ ، ثمّ عَيَّرَتْهُ اليهودُ ، فقالوا له : إنّك تابعٌ لِقِبلَتِنا ، فَاغتَمَّ لذلك غَمّاً شديداً ، فلَمّا كانَ في بَعضِ الليلِ خَرَجَ يُقَلِّبُ وَجهَهُ في آفاقِ السَّماءِ ، فلمّا أصبَحَ صَلَّى الغَداةَ ، فلمّا صَلَّى من الظهرِ رَكعَتَينِ جاء جبرئيلُ عليه السلام فقالَ له : « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » « 1 » الآية ، ثمّ أخَذَ بِيَدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وآله فَحَوَّلَ وَجهَهُ إلى الكعبةِ ، وحَوَّلَ مَن خَلفَهُ وُجُوهَهُم حتّى قامَ الرِّجالُ مَقامَ النِّساءِ ، والنِّساءُ مَقامَ الرِّجالِ ، فكانَ أوّلُ صَلاتِهِ إِلى بَيتِ المَقدِسِ وآخرِهُا إلى الكعبةِ ، وبَلَغَ الخَبَرُ مسجداً بالمدينةِ وقد صَلَّى أهلُهُ مِنَ العَصرِ رَكعَتَينِ ، فَحَوَّلوا نحوَ القِبلَةِ وكانَ أَوّلُ صَلاتِهِم إلى بَيتِ المَقدِسِ وآخِرُها إلَى الكَعبَةِ ، فَسُمِّيَ ذلك المسجدُ مسجدَ القِبلَتَينِ » . « 2 »
إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة أو المصرّحة بأنّ قبلة الجميع عين الكعبة ، لا المسجد ، ولا الحرم .
قوله : ( والقول بأنّ القبلة للبعيد سمت الكعبة وجهتها . . . ) .
قبلة البعيد الجهة
أقول : ظاهر الأدلّة وإن كان يعطى أنّ القبلة لجميع أهل الأرض الكعبة المعظّمة ، إلّاأنّ تكليف البعيد للتوجّه إلى عينها تكليفٌ بما لا يطاق ، ولذلك قد ذكر الأكثر أنّ قبلة البعيد الجهة ، ولهم عبائر في أداء هذا المعنى : ففي المعتبر : أنّ القبلة هي الكعبة مع الإمكان ، وإلّاجهتها . « 3 » وقال بعض بأنّ القبلة للبعيدهامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 144 .
( 2 ) . كتاب من لا يحضره الفقيه ، ج 1 ، ص 275 ، ح 845 ؛ وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 301 ، ح 5210 .
( 3 ) . المعتبر ، ج 2 ، ص 65 .