ومصاديق القسم الأوّل كثيرة غير محصورة ، والثاني أقلّ قليل بالنسبة إليه ، وإن كان لا يختصّ بما ذكروه في كتاب العبادات ؛ فإنّهم قد جعلوا واجباتها الأصليّة محصورةً في عشرةٍ أو اثني عشر كتاباً .
ثمّ إنّهم ذكروا فيما يكون العمل به عباديّاً أنّه لا ينحصر في قصد التقرّب ؛ بل هنا أمور أخر يوجب قصده عباديّة العمل ، كقصد الأمر ، وقصد حسن الفعل ذاتاً ، وكونه ذا مصلحةٍ أو مصالح ، والإتيان به شكراً للمنعم ، ولطلب رضاه ، ولكونه ذكراً له ، وللطمع في جنّته ، وللخوف من ناره ، وللطمع في ثواب الدنيا أو عقابها ، ولكون المولى أهلًا للعبادة ، ولحبّه تعالى . ولا يبعد كفاية الجميع في عباديّة العمل ، على ما يستفاد من النصوص الآتية .
مع أنّ قصد المصلحة كالصلاة بقصد كونها قربان كلّ تقيٍّ ، « 1 » أو معراج المؤمن « 2 » يرجع إلى التقرّب ، وقصد كونها ناهيةً عن الفحشاء والمنكر « 3 » يرجع إلى قصد الانتهاء عنهما وهو مطلوب للمولى ، وقصد العمل شكراً له ، فيصحّ من حيث كون امتثال الأوامر والنواهي شكراً للمولى الآمر الناهي ، والشكر محبوب له .
وقصد نِعمَ الآخرة أو الدنيا ، أو الفرار من عذابهما على قسمين : فإن اعتقد تأثير العمل في الجذب والدفع تكويناً بلا واسطةِ طلبِ ذلك من اللَّه - كما إذا صام لمجرّد صحّة البدن - يبطل في الجميع ، وقصد ذلك بوساطة طلبها من اللَّه تعالى يصحّ في الجميع ؛ لرجوعه إلى اللَّه تعالى .
وإليك شيئاً من النصوص :
ففي خبر أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن حدّ العبادة التي إذا فَعَلَها فاعِلُها كان
هامش
( 1 ) . إشارة إلى الحديث المرويّ عن أبي الحسن الرضا عليه السلام :
« الصلاة قربان كلّ تقيّ » .
الكافي ، ج 3 ، ص 265 ، ح 6 ؛ كتاب من لا يحضر الفقيه ، ج 1 ، ص 210 ، ح 637 ؛ وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 43 ، ح 4469 .
( 2 ) . إشارة إلى الحديث المنسوب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله :
« الصلاة معراج المؤمن »
وهذا الحديث مع كثرة تداولها على الألسن لم نجدها في مصادر الروائية المعتبرة من الخاصّة والعامّة إلّافي تفسير الرازي ، ج 1 ، ص 265 ؛ والاعتقادات ، للمجلسي ، ص 29 ؛ وعنه في مستدرك سفينة البحار ، ج 6 ، ص 343 .
( 3 ) . إشارة إلى الآية 45 من سورة العنكبوت : « إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ » .