شرح
ثمّ الإنذار ليس المراد منه الإنذار فقط بلا ذكر حكم من الأحكام وما هو سببه ؛ بل الإنذار بالتضمّن أو الالتزام بأن يذكر الحكم وما يستتبع من العقوبة على مخالفته ، أو يذكر الحكم الإلزامي فقط ؛ إمّا بنقل الخبر ، أو نقل فتواه المستفاد ، وذلك يستلزم الإنذار ؛ إذ الحكم الالزامي يلازم العقوبة على مخالفته ؛ فأيّ الأمرين تحقّق صدق الإنذار .
ثمّ المراد من الحذر ليس تحقّق مفهومه اللغوي لدى الإنذار ، نظير ذكر الطبيب مفاسد الغذاء الفلاني أو الدواء الفلاني ، فيبكي المريض بذلك ، ثمّ يذهب بسبيله ولا يعتني بما قال .
بل الإنذار بحسب العمل ، فيعمل بما يحذر تركاً ، وبما يرغب فعلًا ؛ وهكذا في المقام . وحيث إنّ التحذّر العملي لم يشترط بالعلم بما قال المنذر ، ثبت حجّيّة الفتوى ونقل الرواية .
ويدلّ عليه أيضاً من الأخبار طوائف ، بعضها يدلّ على ذلك بالمطابقة ، وبعضها بالالتزام .
منها : ما رواه النجاشي من قول الباقر عليه السلام لأبان : « اجْلِسْ في مسجدِ المدينةِ وَأفْتِ الناسَ ، فإنّي احِبُّ أن يُرى في أصحابي مِثلُكَ » . « 1 »
ومنها : ما رواه الكشّي عن حمدوية وإبراهيم ابني نُصير عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير ، عن حسين بن معاذ ، عن أبيه معاذ بن مسلم النحوي ، عن الصادق عليه السلام قال :
« بَلَغَني أنّك تَقعُدُ في الجامعِ فتُفتي الناسَ » . قلتُ : نعم ، وأردتُ أن أسألَك عن ذلك قبلَ أن أخرُجَ ؛ إنّي أقعُدُ في المسجدِ فيجيءُ الرجلُ ، فيسألُني عن الشيء ، فإذا عَرَفْتُهُ بالخلافِ لكم أخْبَرْتُه بما يفعلونَ ، ويَجيءُ الرجلُ أعرِفُهُ بمودّتِكم وحُبِّكم ، فاخبِرُه بما جاء عنكم ، ويَجيءُ الرجلُ لا أعرفُه ولا أدري مَن هو ، فأقولُ : جاء عن فلانٍ كذا ، وجاء عن فلانٍ كذا ، فادخِلُ قولَكم بين ذلك ، فقال لي : « اصنَعْ ، فانّي كذا أصنَعُ » . « 2 »
هامش
( 1 ) . رجال النجاشي ، ص 10 ، الرقم 7 ؛ الفهرست ، ص 17 ، الرقم 51 ؛ خلاصة الأقوال ، ص 21 ، الرقم 1 ؛ وسائل الشيعة ، ج 30 ، ص 291 .
( 2 ) . رجال الكشّي ، ج 2 ، ص 522 ، ح 470 ؛ وسائل الشيعة ، ج 16 ، ص 233 ، ح 21444 ؛ وج 27 ، ح 148 ، ح 33451 .