فَجاءَهُم بِتَصديقِ الّذي بين يَدَيه ، والنورِ المُقتَدى به . « 1 » لقد كان في رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله كافٍ لك في الأُسوَةِ ، ودَليلٌ لك على ذَمِّ الدُّنيا وعَيبِها ، وكَثرَةِ مَخازيها ومَساويها ، إذ قُبِضَت عنه أطرافُها ووُطِّئَت لغَيرِه أكنافُها ، وفُطِمَ مِن رَضاعِها وزُويَ عن زَخارِفِها . « 2 » فتَأسَّ بِنَبيّك الأطهَرِ الأطيَبِ صلى الله عليه وآله ؛ فإنّ فِيه أُسوَةً لمَن تأسّى وعَزاءً لمَن تَعَزّى ، وأحَبُّ العِبادِ إلى اللَّهِ تعالى المُتأسّي بِنَبيّه صلى الله عليه وآله والمُقتَصُّ لأثَرِه . قَضِمَ الدُّنيا قَضماً ولم يُعِرها طَرفاً ، أهضَمُ أهلِ الدُّنيا كَشحاً ، وأخمَصُهُم مِنَ الدُّنيا بَطناً ، عُرِضَت عليه الدُّنيا فأبى أن يَقبَلَها ، وعَلِمَ أنّ اللَّهَ سُبحانَه أبغَضَ شيئاً فأبغَضَه ، وحَقّرَ شيئاً فَحَقّرَهُ ، وصَغّرَ شيئاً فَصَغّرَهُ . « 3 » ولقد كان رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يأكُلُ على الأرضِ ، ويَجلِسُ جِلسَةَ العَبدِ ، ويَخصِفُ بِيَدِه نَعلَه ، ويَرقَعُ بِيَدِه ثَوبَه ، ويَركَبُ الحِمارَ العاريَ ، ويُردِفُ خَلفَه ، ويكونُ السترُ على بابِ بَيتِه فتكونُ فيه التصاويرُ ، فيقولُ : يا فُلانَةُ - لإِحدى أزواجِه - غَيّبيه عنّي ، فإنّي إذا نَظَرتُ إليه ذَكَرتُ الدُّنيا وزَخارِفَها . فأعرَضَ عن الدُّنيا بِقَلبِه ، وأماتَ ذِكرَها مِن نَفسِه ، وأحَبَّ أن تَغيبَ زينَتُها عن عَينِه ؛ لكَيلا يَتّخِذَ مِنها رياشاً ، ولا يَعتَقِدَها قَراراً ، ولا يَرجُوَ فيها مُقاماً ، فأخرَجَها مِنَ النفسِ وأشخَصَها عن القَلبِ وغَيّبَها عن البَصَرِ ، وكذلك مَن أبغَضَ شيئاً أبغَضَ أن يَنظُرَ إليه وأن يُذكَرَ عنده . « 4 » ولقد كان في رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ما يَدُلُّك على مَساوي الدُّنيا وعُيوبِها ، إذ جاعَ فيها مع خاصّتِه ، وزُوِيَت عنه زَخارِفُها مع عَظيمِ زُلفَتِه ، فَليَنظُر ناظِرٌ بِعَقلِه ، أكرَمَ اللَّهُ محمّداً صلى الله عليه وآله بذلك أم أهانَه ، فإن قال أهانَه فقد كَذَبَ والعَظيمِ ، وإن قال أكرَمَه فَليَعلَم آ آ
قصار الجمل في العقائد والأخلاق والعمل — صفحة 378
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٣٧٨
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 185 ؛ بحار الأنوار ، ج 18 ، ص 222 ، ح 57 .
( 2 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 160 ؛ بحار الأنوار ، ج 16 ، ص 284 ، ح 136 .
( 3 ) . شرح نهج البلاغة ، ج 9 ، ص 232 .
( 4 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 160 ؛ بحار الأنوار ، ج 16 ، ص 285 ، ح 136 .