محاسن القناعة
:
للقناعة أهمية كبرى ، وأثر بالغ في حياة الانسان ، وتحقيق رخائه النفسي والجسمي ، فهي
تحرره من عبودية المادة ، واسترقاق الحرص والطمع ، وعنائهما المرهق ، وهوانهما المُذل
، وتنفخ فيه روح العزة ، والكرامة ، والإباء ، والعفة ، والترفع عن الدنايا ، واستدرار عطف اللئام .
والقانع بالكفاف أسعد حياة ، وأرخى بالاً ، وأكثر دعة واستقراراً ، من الحريص المتفاني
في سبيل أطماعه وحرصه ، والذي لا ينفك عن القلق والمتاعب والهموم .
والقناعة بعد هذا تمدّ صاحبها بيقظة روحية ، وبصيرة نافذة ، وتحفّزه على التأهب
للآخرة ، بالأعمال الصالحة ، وتوفير بواعث السعادة فيها .
ومن طريف ما أثر في القناعة :
أن الخليل بن أحمد الفراهيدي كان يقاسي الضُّر بين أخصاص البصرة ، وأصحابه يقتسمون
الرغائب بعلمه في النواحي .
ذكروا أن سليمان بن علي العباسي ، وجه إليه من الأهواز لتأديب ولده ، فأخرج الخليل
إلى رسول سليمان خبزاً يابساً ، وقال : كل فما عندي غيره ، وما دمت أجده فلا حاجة لي
إلى سليمان . فقال الرسول : فما أبلغه ؟ فقال :
أبلغ سليمان أني عنه في سعة * وفي غنىً غير أني لست ذا مال
والفقر في النفس لا في المال فاعرفه * ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه * ولا يزيدك فيه حول محتال ( 1 )
وفي كشكول البهائي « أنه أرسل عثمان بن عفان مع عبد له كيساً من الدراهم إلى أبي ذر
وقال له : إن قبل هذا فأنت حُرّ ، فأتى الغلام بالكيس إلى أبي ذر ، وألح عليه في
قبوله ، فلم يقبل ، فقال له : أقبله فإن فيه عتقي . فقال : نعم ولكن فيه رقّي » ( 2 ) .
هامش
( 1 ) سفينة البحار ج 1 ص 426 بتصرف .
( 2 ) سفينة البحار ج 1 ص 483 .