السفهاء في جهالتهم وطيشهم ، معتصماً بالحلم وكرم الاغضاء ، وحسن العفو ، ما يجعله مثار الاكبار والثناء .
كما قيل :
وذي سفه يخاطبني بجهل * فآنف أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهةً وأزيد حلماً * كعودٍ زاده الاحراق طيبا
ويقال : إنَّ رجلاً شتم أحد الحكماء ، فأمسك عنه ، فقيل له في ذلك قال : « لا أدخل حرباً
الغالب فيها أشرّ من المغلوب » .
ومن أروع ما نظمه الشعراء في مدح الحلم ، ما رواه الإمام الرضا عليه السلام ، حين قال
له المأمون : أنشدني أحسن ما رويت في الحلم ، فقال عليه السلام :
إذا كان دوني من بليت بجهله * أبيت لنفسي أن تقابل بالجهل
وإن كان مثلي في محلي من النهى * أخذت بحلمي كي أجلّ عن المثل
وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجى * عرفت له حق التقدم والفضل
فقال له المأمون : ما أحسن هذا ، هذا من قاله ؟ فقال : بعض فتياننا ( 1 ) .
ولقد كان الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله والأئمة الطاهرون من أهل بيته ، المثل
الأعلى في الحلم ، وجميل الصفح ، وحسن التجاوز .
وقد زخرت أسفار السير والمناقب ، بالفيض الغمر منها ، واليك نموذجاً من ذلك :
قال الباقر عليه السلام : « إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أتى باليهودية التي
سمت الشاة للنبي ، فقال لها : ما حملك على ما صنعت ؟ فقالت : قلت إن كان نبياً لم يضره ،
وإن كان ملكاً أرحت الناس منه ، فعفى رسول اللّه عنها » ( 2 ) .
وعفى صلى اللّه عليه وآله عن جماعة كثيرة ، بعد أن أباح دمهم ، وأمر بقتلهم .
منهم : هبّار بن الأسود بن المطلب ، وهو الذي روّع زينب بنت رسول
اللّه ، فألقت ذا بطنها ، فأباح رسول اللّه دمه لذلك ، فروي أنّه اعتذر إلى النبي
هامش
( 1 ) معاني الأخبار ، وعيون اخبار الرضا للشيخ الصدوق .
( 2 ) الكافي .