يلعنه ، والحسن لا يرد ، فلما فرغ ، أقبل الحسن عليه السلام فسلم عليه ، وضحك ،
فقال : أيها الشيخ أظنّك غريباً ، ولعلك شبّهت ، فلو استعتبتنا أعتبناك ، ولو سألتنا
أعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك ، ولو استحملتنا أحملناك ، وإن كنت جائعاً أشبعناك ،
وإن كنت عرياناً كسوناك ، وإن كنت محتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كان
لك حاجة قضيناها لك ، فلو حرّكت رحلك إلينا ، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك ، كان أعود
عليك ، لأنّ لنا موضعاً رحباً ، وجاهاً عريضاً ، ومالاً كثيراً . فلما سمع الرجل كلامه
بكى ، ثم قال : أشهد أنك خليفة اللّه في أرضه ، اللّه أعلم حيث يجعل رسالته ، وكنت أنت
وأبوك أبغض خلق اللّه إليّ ، والآن أنت أحبُّ خلق اللّه إليّ ، وحوّل رحله إليه ، وكان
ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبتهم ( 1 ) .
وهكذا كان الحسين بن علي عليهما السلام : جنى غلام للحسين عليه السلام جناية توجب
العقاب عليه ، فأمر به أن يضرب ، فقال : يا مولاي والكاظمين الغيظ . قال : خلّوا عنه .
قال : يا مولاي والعافين عن الناس . قال : قد عفوت عنك . قال : واللّه يحبُّ المحسنين ،
قال : أنت حرّ لوجه اللّه ، ولك ضعف ما كنت أعطيك ( 2 ) .
وإني استقرأت سيرة أهل البيت عليهم السلام فوجدتها نمطاً فريداً ، ومثلاً عالياً ، في
دنيا السير والأخلاق :
من ذلك ما قصّه الرواة من حلم الإمام زين العابدين عليه السلام ، فقد كان عنده
أضياف ، فاستعجل خادماً له بشواء كان في التنور ، فأقبل به الخادم مسرعاً ، فسقط منه
على رأس بُنيّ لعلي بن الحسين عليه السلام تحت الدرجة ، فأصاب رأسه فقتله ، فقال علي
للغلام وقد تحير الغلام واضطرب : أنت حرّ ، فإنك لم تتعمده ، وأخذ في جهاز ابنه
ودفنه ( 3 ) .
ولُقّب الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ( بالكاظم ) لوفرة حلمه ،
هامش
( 1 ) البحار مجلد 9 ص 95 .
( 2 ) كشف الغمة للأربلي .
( 3 ) كشف الغمة للأربلي .