النفسانية ؛ فإنّ أفضلَ صفات النفس وأكمل درجة الرُقِيّ « 1 » في الإنسان تسلّطُ قوّته العاقلة على نفسه وميولها وقواها وشهواتها وهواها ، فيحسبها عمّا يخالف كمالها ورقاها في مراحل العقائد والأخلاق والأعمال .
فإن قلت : إنّ معنى ذلك رجحان ترك التزويج وكذا ترك الانتفاعات بما رزق اللَّه الإنسان في الدنيا ، مع أنّه تعالى يقول : « قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِى وَالطَّيّبتِ مِنَ الرّزْقِ » « 2 » .
قلت : مع أنّه يمكن القول بكون ترك التزويج راجحاً في زمانه ؛ فإنّ زمانه وزمان عيسى عليه السلام كان من الأزمنة التي مالت النفوس إلى الدنيا ميلًا شديداً ورغبوا في الشهوات والملاذّ النفسانية ، فاقتضى تشريع العصر منع بعض الملاذّ أو أكثرها غير ما اقتضته ضرورة المعاش .
مع أنّه يمكن أن يقال : إنّ من وظائف الإمام وزعيم الامّة إذا رأى الامّة والمجتمع راغبين إلى الدنيا ، مكبّين عليها « 3 » حرصاً في تحصيلها ، أن يحرّم على نفسه بعض ما أحلّه اللَّه أوّلًا وبالذات ؛ لكي يقدر على ردع الناس في المحرّمات ويزجرهم عن الشهوات .
الوصف الخامس : أنّه نبيّ مبعوث آتاه اللَّه الحكم صبيّاً ، « 4 » وجعله من المنبئين عن اللَّه تعالى وإن كان تابعاً لعيسى ومؤمناً به .
الوصف السادس ، أنّه من ذرّيّة الصالحين من الأنبياء والعباد ؛ لأنّ نسبه يصل إلى داود ، وهو إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام .
هامش
( 1 ) . الرقي ، مثل فَلْس ، والرُقِيّ بضمّ الأوّل وكسر الثاني وتشديد الياء : مصدران بمعنى الصعود ، يقال : رقيت فيالسلّم رَقْياً ورُقِيّاً ، إذا صعدت . راجع : لسان العرب ، ج 14 ، ص 331 ( رقا ) ؛ المصباح المنير ، ص 236 ( رقي ) . .
( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 32 . .
( 3 ) . « مكبّين عليها » ، أي لازمين عليها ، يقال : أكبّ الرجل يكبّ على عمله ، أي لزمه ، وأكبّ على الشيء ، أي أقبلعليه يفعله ، ولزمه . راجع : لسان العرب ، ج 1 ، ص 695 ( كبب ) . .
( 4 ) . إشارة إلى قوله تعالى : « يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً » . مريم ( 19 ) : 12 . .