تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
هذه السورة : « إذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ » « 1 » . ووجه تسمية كلمة - أي كلاماً - لأجل أنّه عليه السلام وجد بقوله تعالى « كُنْ » ، « 2 » أو لأنّه كان كلاماً كلّه : تكلّمه وسكوته وأفعاله وصفاته ؛ فإنّه ربّ أحد يكون سكوته من أتمّ الكلمات وأعلى المقامات ، كما أنّ كلامه كذلك ، فكان عيسى كنبينا صلى الله عليه وآله كلاماً كلّه ، فقيامه وقعوده وحركاته وسكناته ومشيه ونظره وسماعه وجميع إشاراته - فضلًا عن أقواله وألفاظه وكلماته - كلّها كلام وكلمة ، كما أنّه قد يكون الإنسان بحيث يكون جميع أقواله وكلماته سكوتاً وإبهاماً غير نافع وغير مفيد ، وقد بيّن في علم الأصول أنّ فعل المعصوم كقوله وتقريره حجّة ، « 3 » وهذا يؤيّد ما ذكرناه . الوصف الثالث : أنّه سيّد ، وهو المتولّي لأمر جمع من الناس ، يسودهم ويسوسهم ويدبّر أمورهم ، « 4 » وكان يحيى سيّداً على ملّة كبيرة ، كما هو مقتضى نبوّته ، والظاهر أنّ هذا الوصف بيان لمرتبة إمامته وزعامته للُامّة ، وهي غير مرتبة النبوّة ، وأيضاً فهو إمّا وصف استعدادي لم يخرج إلى مرتبة الفعلية أبداً لاستشهاده قبل عيسى ، ولم يكن له إمامة فعلية في زمانه ، أو أنّه كان متصدّياً لأمر المجتمع منصوباً من قبل عيسى اماماً لجوامع بني إسرائيل ، وكان عيسى سيّاحاً يدور في البلدان لهداية العامّة . الوصف الرابع : أنّه كان حصوراً ، « 5 » والحصر المنع ، كما في قوله تعالى : « وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكفِرِينَ حَصِيرًا » « 6 » ، أي حابساً مانعاً ، والظاهر أنّ المراد به ليس خصوص عدم تزويجه في عمره ، بل كونه حابساً لنفسه عمّا تشتهيه من الملاذّ الدنيوية والمشتهيات
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 45 . . ( 2 ) . إشارة إلى ما يلي من الآيات : آل عمران ( 3 ) : 47 و 59 ؛ مريم ( 19 ) : 35 . . ( 3 ) . راجع : قوانين الأصول ، ص 490 ؛ كفاية الأصول ، ص 293 . . ( 4 ) . راجع : المفردات للراغب ، ص 432 ( سود ) . . ( 5 ) . الحصور : الذي لا يأتي النساء ، إمّا من العُنّة وإمّا من العفّة والاجتهاد في إزالة الشهوة . والثاني أظهر في الآية ؛ لأنّ بذلك تستحقّ المحمدة . كذا في المفردات للراغب ، ص 238 ( حصر ) . . ( 6 ) . الإسراء ( 17 ) : 8 . .