الإنسان - بأنّه يخلقه من صلصال « 1 » من حمأ « 2 » مسنون « 3 » ، وبأنّه سوف يسوّيه على ما سبق بيانه ، فأمرهم بأنّه إذا نفخ الروح فيه - ، أي في بعض الأفراد منه - أن يسجدوا له ، وحيث إنّ الإنسان لم يكن موجوداً عند هذه المخاطبة ، لميصدر من الملائكة اعتراض على إيجاب السجود له ، وظاهر الآيات في سورة البقرة « 4 » أنّ اللَّه أخبرهم ثانياً - بعد خلق الإنسان في الأرض ومرور زمان من خلقه ، ومقتضى ذلك صدور الفساد والأعمال القبيحة منهم ، كما عرفت في ذيل قوله تعالى : « كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً » « 5 » ، وبعد مشاهدة الملائكة أعمالهم - بأنّه سوف يجعل ويصطفي لنفسه خليفة في الأرض ، فعلموا أنّه ليس إلّامن جنس الأناسيّ الساكنين فيها ، فاعترضوا على ذلك بماحكاه اللَّه تعالى عنهم .
ويظهر بما ذكرنا أيضاً أنّ وقت السجدة وزمانها في آية الحجر « 6 » مبهم غيرمعيّن ، فسّرته وعيّنته آيات البقرة ، فعلم أنّ زمانها بعد اختبار آدم والملائكة بسؤالهم عن أسماء االمسمّيات ، فأتمّهنّ آدم وجهلتها الملائكة ، كما أنّ اللَّه أجمل وقت السجود أيضا في الآيات التالية :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكِةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِنَ السَّاجِدِينَ » . « 7 »
« وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً » « 8 » ؛
« وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ » « 9 » ؛
هامش
( 1 ) . الصلصال : الطين اليابس الذي يَصِلُّ - ، أي يصوّت - من يبسه . لسان العرب ، ج 11 ، ص 382 ( صلل ) . .
( 2 ) . الحمأ : الطين الأسود المنتن . لسان العرب ، ج 1 ، ص 61 ( حمأ ) . .
( 3 ) . المسنون : المصبوب ، أو المصوّر . وقيل غير ذلك . راجع : البحر المحيط ، ج 6 ، ص 476 ؛ تاج العروس ، ج 18 ، ص 299 ( سنن ) . .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 30 - 34 . .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 213 . .
( 6 ) . الحجر ( 15 ) : 29 . .
( 7 ) . الأعراف ( 7 ) : 11 . .
( 8 ) . الإسراء ( 17 ) : 61 . .
( 9 ) . الكهف ( 18 ) : 50 . .