الدنيا ؛ إذ « الإسلام يَجُبّ « 1 » ما قبله » ، « 2 » والإيمان يكفّر الخطيئات ، ودخولُ الجنّة في الآخرة ، وهو معنى قوله تعالى : « لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ » .
فالسيّئات عامّة وخاصّة ، عامّة للكبائر ومنها الإشراك والصغائر جميعاً ، وخاصّة بما قد مضى منهم قبل الإسلام . ويمكن التعميم لما يستقبل منه بالنسبة إلى اللَمَم « 3 » والصغائر ؛ فإنّها مكفرّة بترك الكبائر ؛ لقوله تعالى : « الَّذينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ » « 4 » وقوله : « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » « 5 » .
قوله : « وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ » . قد ذكرنا أنّ الظاهر من هذه الآية إقامتهم أحكام الكتابين وعملهم بما فيهما ، والمراد بما انزل إليهم ما ورد عن نبيّهم ، كالكتاب والسنّة في شرعنا . وحاصل هذا المعنى أنّ عمل كلّ ملّة بشريعتهم عملًا تامّاً خالصاً غير مشوب بكفر وعصيان - أيّة شريعة كانت ولو منسوخة بشريعة أتمّ وأكمل وأتقن - سبب لدُرور النعم « 6 » عليهم ورفاه حالهم وسعة بالهم ورَخاءهم « 7 » وخِصْبهم ، « 8 » ويظهر الثمرة في قبول الشرع الناسخ الأتمّ في مزايا اخر من مراحل كمال الإنسانيّة والرقى الروحي والخلق الفاضلة المعنويّة والدرجات الاخرويّة والزيادة في مزايا الحياة الدنيويّة .
هامش
( 1 ) . الجَبُّ : القطع ، والمعنى : أنّ الإسلام يقطع ويمحو ما كان قبله من الكفر والمعاصي والذنوب . راجع : النهاية ، ج 1 ، ص 234 ( جبب ) . .
( 2 ) . هذا حديث روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله . راجع : الخلاف ، ج 5 ، ص 469 ؛ عوالي الللئالي ، ج 2 ، ص 54 ، ح 145 ، وص 224 ، ح 38 . وعنه في مستدرك الوسائل ، ج 7 ، ص 448 ، ح 8625 . .
( 3 ) . اللَمَمُ : مقاربة المعصية ، ويعبّر به عن الصغيرة ، ويقال : فلان يفعل كذا لَمَماً ، أي حيناً بعد حين . المفردات للراغب ، ص 746 ( لمم ) . .
( 4 ) . النجم ( 53 ) : 32 . .
( 5 ) . النساء ( 4 ) : 31 . .
( 6 ) . دُرور النعم : كثرتها وسيلانها . راجع : لسان العرب ، ج 4 ، ص 279 ( درر ) . .
( 7 ) . الرَخاء : سعة العيش . العين ، ج 4 ، ص 300 ( رخو ) . .
( 8 ) . الخِصْب : النماء والبركة ، وهو خلاف الجَدْب . المصباح المنير ، ص 170 ( خصب ) . .