وقوله : « يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصيبَنا دائِرَةٌ » . أيحوادث سيّئة تدور على الأمم والملل من قتل وسبي واستعباد واسترقاق ، يقال : دائرة تدور ، ودائلة تدول ، فاعتذروا من المسارعة في الكفّار بالخشية عن انقلاب الزمان وانتقال الدولة إلى الكفّار ونزول الدائرة على المسلمين ، وكان الاعتذار بذلك مقروناً بإظهارهم الإيمان ، والآية تثبت كونه صوريّاً وعدم دخول الإيمان في قلوبهم ؛ فإنّهم منهم .
قوله : « فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ » . « عسى » كلمة موضوعة للترجّي ، فقيل : إنّ استعمالها في معناها يستلزم عجز المستعمل وجهله ، ك قوله : عسى اللَّه أن يشفي المريض ، فمعناها أنّ متعلّقها مطلوبة غير مقدور عليها وغير معلومة ، فإذا وقعت في كلام الربّ تعالى استعملت في مجرّد المطلوبيّة ، وتجرّدت عن لازمها ، « 1 » لكنّ الظاهر أنّها وضعت لإنشاء الترجّي بأيّ قصد كان ، فتستعمل في كلام اللَّه في الإنشاء مع وعد الإيجاد ، فكأنّه قال : فسوف يأتي اللَّه .
والمراد بالفتح ، قيل : هو إجلاء « 2 » بني النضير ، أو قتل بني قريظة ، أو فتح مكّة ، فتكون الآية ، أو هي مع آيات حفّتها من جوانبها نازلة قبل سورة المائدة .
والمراد بالأمر من عند اللَّه ظهور نفاق المنافقين المسارعين في الكفّار .
قوله : « فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا في أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ » . أيفينذموا على نفاقهم الباعث على مسارعتهم في الكفّار ؛ فإنّ غلبة المسلمين يصير سبباً لوضوح أمرهم وبطلان مزاعمهم المذهبيّة وكذا ظهور نفاقهم .
قوله : « وَيَقُولُ » . بالرفع جملة استينافيّة ، أو بالنصب عطفاً على « يصبحوا » . و « جهد الإيمان » مفعول مطلق بغير لفظ فعله ، أي أقسموا أشدّ إيمانهم وأغلظه ، والمعنى واضح .
ثمّ إنّه يقرب أن يكون المراد بقوله تعالى : « فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ » إلى آخر الآيتين أنّ المراد بالفتح فتح قلوبهم بالإيمان ، وبالأمر من عند اللَّه موتهم ، فالمعنى أنّه سوف يأتي
هامش
( 1 ) . لم نعثر على القائل ، نعم يمكن استظهاره من تضاعيف كلامهم . راجع : التبيان ، ج 3 ، ص 551 ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 354 ؛ المفردات للراغب ، ص 566 ( عسي ) . .
( 2 ) . الإجلاء : الإخراج من البلد . راجع : لسان العرب ، ج 14 ، ص 149 ( جلا ) . .