فإنّ وجود الأنبياء عندها وتكفّل زكريّا النبيّ لها واشتغالها بالعبادة مع العباد العاملين الصالحين وغيرها من الأمور الدخيلة في كمال الإنسان في مراحل العقل والإيمان ، إنبات من اللَّه بأحسن الوجوه ، وقبولها التربية الإنسانية والايمانية وتخلّقها بفضائل النفس وكمالاتها نبات حسن ، وليس كلّ الناس حائزين هذه الفضيلة ، فهي نبتت نباتاً حسناً .
وقوله تعالى : « وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا » . كيفية تكفّل زكريّا لها يعلم ممّا سيجيء في الآية 44 : « وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ » .
وقوله تعالى : « « كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا » . المحراب : محلّ الحرب ومكانه ، وإطلاقه على محلّ العبادة لوجهين : أحدهما أنّ محلّ العبادة محلّ الحرب مع الشيطان أو مع النفس الأمّارة ، وثانيهما أنّه كما أنّ في معركة القتال والحرب ينقطع رجاء الإنسان من كلّ شيء ويغفل عن ماله وأولاده وعياله ودراهمه ودنانيره ويكون همّه مصروفاً في حفظ غرضه وتنجيز هدفه وينحصر مقصده ومرماه في الغلبة على الخصم وتحصيل ما يقاتل لأجله ، كذلك الإنسان لابدّ من أن يكون غرضه في أمكنة العبادة الوصول إلى مرضاة ربّه وتحصيل المقام عنده والقرب لديه ويكون غافلًا عن جميع أمواله وما يتعلّق به من دنياه وشؤون حياته .
والرزق في الآية قد فسّر بفاكهة الشتاء في وقت الصيف وفاكهة الصيف في وقت الشتاء ، « 1 » إلّاأنّه يمكن أن يقال : إنّ الفرد الأليق من الرزق ، العلوم والحكم والمعارف الدينية الإلهية ، فلعلّ زكريّا إذا دخل عليها وتكلّم معها كان يسمع منها من المعارف ما لم يكن يعلمه ، أو لم يكن يسمعه من غيرها ، ممّا ألهمه اللَّه تعالى إيّاها ، فكان يسأل عنها ويقول : « قَالَ يمَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ » .
قال اللَّه تعالى : « إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ » . قد يتوهّم في هذه الآية
و
هامش
( 1 ) . نقل عن مفسّري أهل السنّة ، مثل ابن عبّاس ومجاهد وضحّاك وغيرهم . راجع : جامع البيان ، ج 3 ، ص 165 ؛ التبيان ، ج 2 ، ص 447 ؛ مجمع البيان ، ج 2 ، ص 740 ؛ البحر المحيط ، ج 3 ، ص 123 ؛ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ، ج 2 ، ص 30 ؛ الدرّ المنثور ، ج 2 ، ص 20 . .