تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
« يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ » « 1 » . أنّه ليس في أفعال اللَّه تعالى لحاظ غرض وتدبير صلاح ، بل كلّ ما فعله اللَّه تعالى فيه الصلاح التامّ والنظام الكامل العامّ ، فلو غفر أبا جهل ، وعذّب النبيّ الأعظم كان حسناً وكان هو الموافق للصلاح والمطابق للعدل ، فالصلاح والفساد هو فعله وعدم فعله ، وبه يقاس كلّ صلاح وفساد ، لا أنّ فعله يقاس بشيء آخر . وهذا هو الذي ينسب إلى الأشاعرة ؛ « 2 » فإنّهم ينكرون العدل بالمعنى المعهود عندنا ويقولون : العدل من اللَّه هو ما يفعله اللَّه والظلم هو ما لا يفعله ، فلو أدخل الحسين الجنّة ويزيد النار فهو العدل ، ولو عكس في الأمر كان هو العدل ، وليس هنا ميزان آخر من حكم العقل وغيره يوزن به فعل الربّ تعالى ، بل مقامه وشأنه تعالى أجل من أن يوزن بشيء آخر . وهذا مذهب مرجوح مردود ليس المقام موضع ذكره ، وحمل ظواهر الآيات على هذا المعنى باطل منكر . ولا يخفى عليك أنّه بناء على هذا المعنى يرجع مفاد الآيات : « يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ » « 3 » و « يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ » « 4 » وغيرها إلى أنّه ليس في غفرانه وتعذيبه مثلًا لحاظ صلاح وتدبير نفع ونظم . لكنّ الظاهر أنّ معنى الآيات بيان قدرة اللَّه على ما شاء وتسلّطه على تنجيز ما أراد وإيجاد ما شاء ، فالمعنى أنّ اللَّه قادر على غفران من يشاء ، لا أنّ مشيّته الغفران بلا وجه وغرض ، وقادر على أن يهب ما يشاء ، لا أنّ إرادته الهبة غير منوط بصلاح ، فمعنى قوله تعالى : « يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ » « 5 » ، أنّه تعالى قادر على إضلال من
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) : 49 . . ( 2 ) . راجع : الأربعين في أصول الدين للرازي ، ج 1 ، ص 350 ؛ شرح المقاصد ، ج 4 ، ص 301 ؛ شرح المواقف ، ج 8 ، ص 202 . . ( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 129 ؛ المائدة ( 5 ) : 18 ؛ الفتح ( 48 ) : 14 . . ( 4 ) . الشورى ( 42 ) : 49 . . ( 5 ) . النحل ( 16 ) : 93 ؛ فاطر ( 35 ) : 8 . .
تفسير مبسوط — صفحة 64 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى