السَلْوى « 1 » وانفجار الحجارة لهم باثنتي عشرة عيناً وغير ذلك ، فلم يبق لهم من نعم الدين إلّاو قد تمّت ، ومن نعم الدنيا إلّاو قد كملت ، ورضي اللَّه لهم التهوّد ديناً ، والتوراة كتاباً ، والنبيّين العظيمين موسى وهارون نبيّاً ورسولًا .
ويلوح من سياق الآيات أنّ الأمر الهامّ الباقي بعد ذلك كلّه هو الجهاد الابتدائي تحت نظر نبيّهم وباتّباع إمامته وزعامته ودخول بيت المقدس وما والاها من الأمكنة المباركة التي كانت من سوالف الأزمنة وسوابق الأيّام محلًاّ لبعث الأنبياء ومهبطاً للوحي موطناً للصالحين ، ثمّ وقعت في أيدي الظلمة ، وصارت محلّاً للمنكر والفحشاء ومسكن الفجرة والفسقاء .
قوله : « اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ » . هذا تذكير للنعم الماضية حثّاً لهم على إنجاز ما يريد ابلاغه إليهم من الجهاد في سبيل اللَّه ومحاربة أهل القدس والشام وغيرهما ، كما سيأتي ، والمراد بالنعمة جنسها الشامل لسوابغ ما أنعم عليهم وروافغ « 2 » ما منحهم .
وقوله : « إِذْ جَعَلَ فيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً » . أمّا الأنبياء فالظاهر إرادة الأعمّ ممّن كانوا قبل موسى وبعده ؛ فإنّهم كانوا من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وهم من أكابر الأنبياء ، ومنهم يوسف وعدّة من الأنبياء من أولاد يعقوب ، بل قيل : إنّ الأسباط الاثني عشر كانوا أنبياء . وأمّا الذين بعثوا بعد موسى عليه السلام فهم كثيرون جدّاً حتّى انتهوا إلى عيسى ، وبعده أيضاً إلى ما بقرب من مأة سنة ، كالرسل الثلاث الذين ارسلوا إلى أنطاكيّة ، ثمّ حصلت الفترة إلى أن بعث اللَّه النبيّ الأقدس من قريش .
وأمّا جعلهم ملوكاً فالظاهر أنّ الملوك هنا جميع مَلْك بالفتح فالسكون بمعنى صاحب الملك ، لا جمع المَلِك بمعنى السلطان الذي يطلق على المتصرّف بالأمر والنهي المختصّ بسياسة الناطقين كما في المفردات ؛ « 3 » فإنّهم لم يكونوا جميعاً ملوكاً
هامش
( 1 ) . السَلْوى : طائر . وقيل غير ذلك . راجع : لسان العرب ، ج 14 ، ص 395 ( سلا ) . .
( 2 ) . الرَوافغ : جمع الرافغة ، أي الواسعة الطيّبة . والرافغة أيضاً : النعمة . والمراد النعم الواسعة الطيّبة . راجع : تاج العروس ، ج 12 ، ص 25 ( رفغ ) . .
( 3 ) . المفردات للراغب ، ص 774 ( ملك ) . .