أمرهم ، أورثت البغضاء في نفوس اللاحقين المتناسلين بحيث دبّت ونشبت في القلوب ، وأوقدت نار الحروب . وعلى أيّ تقدير ، كان سبب ذلك اختلافهم في الدين وانقسامهم بفرق كثيرين .
وأصول الانشعابات ثلاثة : اليعقوبيّة ، وهم القائلون بالوهيّة عيسى ، كما يأتي في الآية 17 ؛ والنَسْطوريّة ، وهم القائلون بأنّه ابن اللَّه ؛ والمَلْكانيّة وهم القائلون بالتثليث وأنّه ثالث ثلاثة : اللَّه وعيسى ومريم ، وهم الروم . « 1 » قوله : « إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ » . إن قلت : إنّ هذا الكلام يدلّ على بقاء الطائفتين : اليهود والنصارى إلى يوم القيامة لو كان المراد العداوة والبغضاء الواقعة في ما بينهما ، أو بقاء النصارى إذا كان المراد عداوتهم وبغضاء بعضهم مع بعض ، مع أنّ من مذهبنا معاشر الإماميّة تبدّل الأديان بعد ظهور الإمام الموعود بدين واحد والشرايع المختلفة بشريعة الإسلام وانقراض تابعيها ، فلا يهود حينئذٍ ولا نصارى حتّى يتعادوا ويتباغضوا .
قلت : الحكم بذلك إمّا تعليقيّ ، والمراد أنّهم لو بقوا إلى يوم القيامة لبقيت العداوة بينهم .
أو يقال : إنّ قوله تعالى : « هُوَ الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ » « 2 » وقوله تعالى : « لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلُيمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيْئاً » « 3 » وغيرهما ممّا يدلّ على مذهب الإماميّة ، معناه كون الحكومة العالميّة عندئذ بيد الإمام العدل المنصوب من اللَّه ، والدين الحاكم على المجتمع البشري هو الإسلام ، فيكون أهل سائر الأديان وأتباع غير الإسلام من الشرائع عايشين تحت راية الإسلام ، عاقدين للذمّة ، مؤدّين للجزية ، فالإسلام حينئذ دين قد ظهر وغلب على الأديان كلّها ،
و
هامش
( 1 ) . للتعرّف لأحوالهم وعقائدهم والمؤسّسين لتلك الفرق الثلاث . راجع : الملل والنحل ، ج 1 ، ص 222 - 228 . .
( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 33 ؛ الفتح ( 48 ) : 28 ؛ الصفّ ( 61 ) : 9 . .
( 3 ) . النور ( 24 ) : 55 . .