المراد من عنوان « القلب » و « الروح » و « النفس » ، وهو الإنسان في الحقيقة .
وقوله : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » . والتحريف على أقسام كثيرة ، والمراد به هنا إمّا تغيير معنى كلمات التوراة والإنجيل وتأويلها بما أرادوا من مقتضى ميولهم وآرائهم وأهوائهم ، أو تحريف نفس الكلمات بحذف شيء منها ، أو زيادة شيء عليها ؛ ليتغيّر المعنى ، وينطبق على مرادهم .
قوله : « وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ » . أي مقداراً كثيراً من ألفاظ كتابهم ، أو نصيباً وافراً من أحكام دينهم ، ففات بذلك ما لا يحصى من سعادتهم في حياتهم وبعد موتهم .
والمراد بما نسوه إمّا شيء من الأصول الذي بدّلوه بما يضادّه ، كالقول ببقاء دينهم إلى الأبد وخاتميّة نبيّهم ودوام كتابهم ، وكقول اليهود بأنّ عزير ابن اللَّه تعالى ، والنصارى بأنّ المسيح ابن اللَّه تعالى « 1 » ، وإمّا من فروع دينهم ، وذلك كثير .
وقوله : « خائِنَةٍ مِنْهُمْ » . أي خيانة ، أو طائفة خائنة ، والأمثلة موجودة في كتب التواريخ ، فكم لهم من الكذب ونقض العهد ومظاهرة الكفّار وغيرها .
« فَاعْفُ عَنْهُمْ » . أي عن القليل ما داموا على ترك الخيانة وبذل الجِزْية ، « 2 » أو عن الخائنين ما داموا على العمل بشرائط الذمّة ؛ « 3 » فإنّ الآية نازلة في أواخر عمر النبيّ صلى الله عليه وآله ، وقد كان الإسلام عندئذٍ حاكماً على أغلب أهل الحجاز ، وكانت اليهود والنصارى يعيشون تحت راية الإسلام بالعمل بالذمّة .
قوله : « أَخَذْنا ميثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا » . كيفيّة أخذ الميثاق من النصارى ونسيانهم الحظّ الذي ذكّروا به ، قد علم من الآية 12 .
وقوله : « فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ » . الظاهر أنّ المراد بالعدواة هنا المنافاة والمنافرة ، العمليّة وبالبغضاء القلبيّة ، فالثانية علّة للُاولى ، أو المنافرة الخارجيّة في أوائل
هامش
( 1 ) . نقل اللَّه تعالى القولين في الآية 30 من سورة التوبة ( 9 ) . .
( 2 ) . قال العلّامة قدس سره :
« الجزية : هي الوظيفة المأخوذة من أهل الكتاب ؛ لإقامتهم بدار الإسلام في كلّ عام ، وهي فِعْلةمن جزى يجزي ، إذا قضى اللَّه تعالى » .
وقال ابن الأثير :
« هي عبارد عن المال الذي يعقد للكتابي عليه الذمّة ، وهي فِعْلة من الجزاء ، كأنّها جزت عن قتله »
. راجع : منتهى المطلب ، ص 959 ؛ النهاية ، ج 1 ، ص 271 ( جزا ) . .
( 3 ) . الذمِّة : العهد ، والأمان ، والضمان ، والحرمة ، والحقّ . وسمّي أهل الذمّة ؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم . النهاية ، ج 2 ، ص 168 ( ذمم ) . .