كانت شرعيّة إسلاميّة . وهذا من أهمّ موارد العقد ومصاديقه ، ولذلك لمّا نزلت سورة البراءة أمر اللَّه نبيّه وأصحابه بقتل المشركين حيثما وجدوهم وأهدر دماءهم ، ومع ذلك لم يأمرهم بنقض عهودهم ، بل قال : « إِلَّا الَّذينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقينَ » « 1 » .
الثالث : أنّ قوله تعالى : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » يشمل الأقسام المذكورة ؛ لمكان الجمع الشامل ، ولو قلنا بكون اللام في العقود عوضاً عن المضاف والمراد : أوفوا بعقودكم ، فإنّ جميع تلك الأقسام مرتبط بالإنسان ربطاً ما ، فقوله : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » من مقابلة الجمع بالجمع ، والمراد : فليف كلّ إنسان بعقده المرتبط به .
فقد علم ممّا ذكرناه سعة دائرة هذه الجملة ، وأنّها تشمل الحثّ على طاعة اللَّه في أوامره ونواهيه ، والتسليم له في جميع أحكامه والانقياد له في الأخذ برخصة وإباحاته ، والحثّ على العمل بما ألزمه كلّ فرد على نفسه من عهوده ونذوره وإيمانه ومواعيده ، والحثّ على الوفاء بما تعاهد عليه وتعاقد مع أبناء نوعه ، ولكن ليعلم أنّها قد سيقت بنحو القاعدة الكلّيّة وإعطاء القانون العامّ ، يتمسّك به في موارده بعد الفحص عن منافياته ؛ لأن تلك المنافيات أيضاً مصداق للعقد ويجب الوفاء به .
الرابع : أنّ تصدير هذه السورة بهذه الجملة العامة الشاملة مع ملاحظة كون السورة آخر ما نزل من عند اللَّه ، هل هو لمجرّد تجديد العهد والتوصية من اللَّه تعالى بالنسبة إلى ما مضى من الأحكام وتوكيداً له مع كون منطق القرآن بليغاً في جميع ما أدّاه مقروناً بالتبشير التامّ والإنذار البليغ وتحكيم البيان ؛ « إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ » ، « 2 » وماذا بعد الحقّ إلّاالضلال ؟ أو هو مقدّمة وتهيئة - مضافاً إلى ذلك - لبيان أمر آخر أعظم وأكبر وأهمّ وأخطر ، وهي مسألة نصب الخليفة وتعيين الوليّ ؟
وبعبارة أخرى : التعرّض لحكم الولاية العامّة الإنسانيّة والخلافة الإلهيّة بعد انقضاء عمر النبوّة وانقطاع أمدها وارتحال النبيّ الكريم الخاتم ، لما سبق من سلسلة
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 4 . .
( 2 ) . الطارق ( 86 ) : 13 و 14 . .