فطرت على التوحيد وسائر المستقلّات العقليّة المعلومة الممضاة في الشرع والعقل السليم الباعث على القبول ، وكذا المعجزات والآيات ، فكلّها يقتضي الذهاب إلى تلك السبل ، والكافرون عنها صدودها ، وعبّر عن هذا الصدّ بالظلم في الآية التالية .
قوله : « لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ . . . » . إمّا لأنّ هذا النحو من الإثم يمنعهم عن التوبة والرجوع ، فلا يشملهم الغفران ، وإمّا لأنّ توبة هؤلاء عبارة عن ردّ المصدودين إلى الإيمان ، وهو غير ممكن ؛ إذ البعض لا يرجعون ، والبعض الآخر قد ماتوا على الكفر ، فهؤلاء كالمبدعين في الدين ، لا يتوب اللَّه عليهم إلّاإذا ردّوا المعتقدين ببدعهم ، أحياء كانوا أو أمواتاً ، وهو مستحيل .
قوله : « إِلّا طَريقَ جَهَنَّمَ . . . » . فيه بيان أنّ اللَّه يهدي الكافر بعد غلوّه إلى المرتبة البعيدة في الكفر ، وذلك بثهيئة أسباب الشقاوة في حقّه ؛ لينال المقام الممكن في دركاته . « 1 » قوله : « يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ . . . » . الحقّ هو الثابت على طبق ما يقتضيه العقل ، فاللَّه هو الحقّ ، وخلق السماوات والأرض بالحقّ ، أي بالثبوت على مقتضى الحكمة ، والمراد به في الآية الأصول والأخلاق والفروع وجميع قواعد الدين ؛ فإنّ كلّها ثابتة على وفق الصواب ومقتضى الحكمة وقضاء العقل السليم ، فكلّ ذلك خير أيضاً كما هو حقّ ، وعلى ما ذكرنا فيتّصف به اللَّه وما خلقه من الموجودات ، ويتّصف به القول ، ككلامه تعالى والعقائد والنفسيّات والأعمال .
قوله : « وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للَّهِ ما فِي السَّماواتِ . . . » . أي إن تكفروا فاللَّه غنيّ عنكم ، أو فإنّه قادر على تعذيبكم ؛ فإنّ له ما في السماوات ، إلى آخر قوله تعالى ، فأقيمت علّة الجزاء مقامه .
هامش
( 1 ) . الدركات : جمع الدركة ، وهي تأنيث الدَرَك بالتحريك ، وقد يسكّن ، وهي منازل في النار . والدرك إلى أسفل ، والدرج إلى فوق . راجع : النهاية ، ج 2 ، ص 114 ( درك ) . .