أصابهم العذاب في الآخرة ، ثمّ قولهم : ربّنا هلّا أرسلت إلينا الرسول ، لما أرسلناك إليهم .
وبعبارة أخرى : لولا دعواهم اتّباع الآيات على تقدير إرسال الرسل ، لما أرسلناك .
قوله : « لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ . . . » . استدراك عن عدم قبول اليهود نبوّته صلى الله عليه وآله وكتابه وعدم شهادتهم وتصديقهم ، فبين تعالى أنّه يشهد والملائكة يشهدون .
ثمّ إنّ المراد بشهادته تعالى هل هي التكوينيّة ؛ أعني المعجزات التي آتاها لنبيه ؛ فإنّ ذلك شهادة تكوينيّة لصدق ما أنزله عليه ، ومثلها في الشهادة نفس النبيّ الأكرم من حيث أوصافه الكماليّة الشاهدة بصدق دعواه ، أو الشهادة القوليّة ، كشهادة الأنبياء الماضين على نبوّته صلى الله عليه وآله ؟ ويمكن أن يكون قوله تعالى : « أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ » نفس تلك الشهادة ومتنها ، فهي شهادة قوليّة من اللَّه .
ثمّ إنّ قوله : « أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ » إمّا حكاية عن نزول القرآن من علمه الأزلي القديم إلى اللوح المحفوظ ، أو منه إلى السماء الدنيا ، أو منها إلى قلب النبيّ الأقدس ، أو منه إلى قلوب الناس ومحيط المجامع الإنسانيّة . والأولان نزولان دفعيّان ، والأخيران تدريجيّان في مدّة بعثته صلى الله عليه وآله إلى زمان انقطاع الوحي .
وأمّا تقييد الإنزال بالعلم فلعلّ ذلك لإفادة أنّ المنزل في جميع هذه المراحل - وهو مجموع الكتاب والحكمة والعلوم المتعلّقة المرتبطة بذلك - مصون عمّا يتصوّر من طريان النقص والخلل فيه وعروض أيّ باطل وكذب ومَيْن « 1 » عليه بواسطة خطأ الملائكة الموكّلين بإنزاله ، أو النبيّ المبعوث لإبلاغه ، أو اختلاط شيء من الباطل فيه بإفساد الشياطين ودخل الأبالسة والأجنّة ، فكلّ ذلك لميكن ولا يكون ؛ لأن الإنزال كان بعلم اللَّه وبعين اللَّه .
وعلى هذا فيمكن الاستشهاد بهذه الجملة على مصونيّة الملائكة والأنبياء علىالخطاء والخلط والشبهة في بيان الأحكام وإبلاغها .
هامش
( 1 ) . المَيْن : الكذب . لسان العرب ، ج 13 ، ص 425 ( مين ) . .