واستشهد الأستاذ الطباطبائي « 1 » لتأييد المعنى المزبور من الآية بقوله تعالى : « عالِمُالْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِرَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً » « 2 » ، فالغيب هنا يشمل الأحكام الإلهيّة والحكمة الموحاة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله .
والظاهر أنّ الضميرين في قوله « مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ » راجعان إلى الرسول ، وحيث إنّ الرسول مرسل من اللَّه إلى الناس ف « بين يديه » مرحلة تبليغه الحكم إلى الناس ، و « ما خلفه » مرحلة وصول الأحكام إليه من اللَّه ، فالرصد الحُفّاظ للوحي والمنزول ، يحفظونه في المرتبة السابقة على نزوله إلى النبيّ وفي المرتبة اللاحقة ، وهي أداؤه إلى الناس .
كلّ ذلك لينطبق علم اللَّه الأزلي المتعلّق بوقوع إبلاغ الرسول وتحقّقه على النحو الأتمّ على الخارج انطباقاً كاملًا ، مع أنّ اللَّه محيط بما لدى الرسول والملائكة ومُحْصٍ له ولكلّ شيء .
وقد يقال : إنّ الضميرين في قوله : « مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ » راجعان إلى الملك الآتي بالوحي ، المعلوم من السياق ، فهو ينزل بالوحي مع عدّة حُفّاظ حافّين به ؛ ليعلم الرسول بأنّ الملائكة قد أبلغوا الرسالات تامّاً غير مدخول ولا ملتبس . « 3 » قوله : « وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ . . . » . شهادة الملائكة أيضاً إنشائيّة قوليّة ، يحكي عنها قول اللَّه تعالى . ويمكن أن تكون تكوينيّة ؛ فإنّ مجيئهم بالوحي إلى النبيّ شاهد عمليّ على النزول وصحّة ما نزل .
قوله : « إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبيلِ اللَّهِ . . . » . الصدّ هو المنع . « 4 » وسبيل اللَّه هو العقائد الحقّة والخُلُق الفاضلة والأعمال الصالحة . والتعبير بالصدّ يشعر بوجود الاقتصاد في انسلاك الناس تلك الطرق ، فيمكن أن يكون المقتضي له الفطرة التي
هامش
( 1 ) . راجع : الميزان ، ج 5 ، ص 141 و 142 ، ذيل الآية المذكورة . .
( 2 ) . الجنّ ( 72 ) : 26 - 28 . .
( 3 ) . نسب إلى القيل في مجمع البيان ، ج 10 ، ص 155 ، ذيل الآية المذكورة . .
( 4 ) . في اللغة : الصدّ : الصرف والمنع . راجع : النهاية ، ج 3 ، ص 15 ( صدد ) . .