وقوله : « ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ . . . » . وهذا هو الثاني من الأمور التي قد عدّها اللَّه من طغيانهم ، وقد وقعت عبادة العجل منهم بعد ذهاب موسى من بينهم إلى الطور بمواعدة اللَّه تعالى ، وخلّف فيهم أخاه هارون ؛ قال تعالى : « وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » « 1 » وقال تعالى في سورة الأعراف : « وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ » « 2 » .
والبيّنات ما ظهر لهم من معجزة العصا واليد البيضاء وانجائهم من فرعون وفلق البحر ، فكان كلّ فِرْقٍ « 3 » كالطود « 4 » العظيم . « 5 » وقوله : « فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ . . . » . وكيفيّة العفو ما بيّنه تعالى في البقرة ( 2 ) : « وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » « 6 » .
وقد روي أنّهم أمروا بأن يقتل بعضهم بعضاً ، فقتلوا حتّى بلغ عدد القتلى سبعين ألفاً ، فعفا اللَّه عن الباقين . « 7 » ويحتمل أن يكون المراد بقتل النفس قتل النفس الأمّارة والقوى الشهويّة والبهيميّة والسبعيّة ، ولا يكون ذلك إلّابالندم والعمل بما يقتضيه شرعهم ، فلمّا عملوا به تحقّقت التوبة منهم ، فقبلها اللَّه .
قوله : « وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبيناً » . أي حجّة ظاهرة تامّة دالّة على نبوّته من المعجزات المذكورة في القرآن ، أو المراد التسلّط الخارجيّ على بني إسرائيل وعلى مملكة فرعون لو قلنا بأنّ موسى أدرك ذلك .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 51 و 52 . .
( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 148 . .
( 3 ) . الفِرقُ : القطعة المنفصلة . المفردات للراغب ، ص 632 ( فرق ) . .
( 4 ) . قال الراغب :
« الطَوْد : هو الجبل العظيم ، ووصفه بالعظم لكونه في ما بين الأطواد عظيماً ، لا لكونه عظيماً في ما بين سائر الجبال » .
المفردات ، ص 528 ( طود ) . .
( 5 ) . اقتباس من قوله تعالى : « فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظيمِ » . الشعراء ( 26 ) : 63 . .
( 6 ) . البقرة ( 2 ) : 54 . .
( 7 ) . راجع : مجمع البيان ، ج 1 ، ص 218 ، ذيل الآية المذكورة . .