الموت مطلقاً حتّى ممّن زاد في كفره ، فراجع أخبار الباب ، « 1 » ولذلك أوّل المفسّرون ظاهر الآية إلى أنّ المراد عدم تمشّي التوبة ممّن ازداد الكفر حقيقة وأنّه يمنعه كفره ذلك عن الرجوع التامّ والندم الحقيقي ، فلا يتحقّق إلّاالتوبة الظاهرية وبنحو النفاق ، « 2 » وهذا غير بعيد ، ولعلّ إليه يشير قوله تعالى في ما بعده : « وَأُوْللئكَ هُمُ الضَّآلُّونَ » ، أي حتّى حال توبتهم وبعد وقوعها ، ولازم ذلك كون التوبة عن نفاق خوفاً ، أو رياء ، أو لغيرهما .
الرابع : أنّه يظهر من قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ » إلى آخره ، أنّ الكافر إذا لم يتب عن كفره في الدنيا ، فلا مخلص له من شديد العذاب وأليم العقاب في الآخرة ، وقد ذكر في الآية أمران ممّا يتوسّل به أهل الدنيا لنجاتهم عن الحوادث والكوارث : « 3 » المال المفدى به للاستخلاص ، والناصر الشافع في الإنجاء ، ويلازم ذلك أنّه لا ينفعه أعماله الدنيوية لو فرضنا صدور الخيرات منه ، وهذا هو المسمّى بالحبط ، فهاهنا أمران ، نتعرّض لهما إجمالًا :
الأوّل : أنّ الكافر معذّب في الآخرة وأنّه لا ينفعه الفداء والشفيع .
الثاني : أنّه لا تنفعه أعماله الصالحة لحبطها وبطلانها ، وحيث إنّ موضوع الحكمين عنوان الكافر ، سواء أكان كفره بعد الإيمان ، أم كان أصليّاً ، فينبغي أوّلًا « 4 » التوجّه إلى معنى الكفر ، والمعروف منه عند الشارع والمتشرّعة أنّه عبارة عمّن أنكر شيئاً من أصول الدين ، أو فروعه إذا رجع إلى إنكار أصوله ، ويدلّ عليه في الجملة قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِى وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِى وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَ لِكَ سَبِيلًا أُوْللئكَ هُمُ الْكفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا » « 5 » .
هامش
( 1 ) . خرّجناه في الصفحة 389 . .
( 2 ) . راجع : التبيان ، ج 2 ، ص 527 ؛ مجمع البيان ، ج 2 ، ص 340 ؛ الكشّاف ، ج 1 ، ص 443 . .
( 3 ) . الكوارث : جمع الكارثة ، وهي المسبّبة الغمّ الشديد ، يقال : كرثه الأمر ، إذا غمّه وأثقله وكرثه الأمر ، إذا ساءه واشتدّ عليه وبلغ منه المشقّة . راجع : لسان العرب ، ج 2 ، ص 180 ( كرث ) . .
( 4 ) . قوله قدس سره : « أوّلًا » ؛ يعني ابتداءً . .
( 5 ) . النساء ( 4 ) : 150 و 151 . .