لا يقال : لماذا تلك الغيبة ؟ وما هي العلّة في خروج النبيّ أو الإمام من بين الناس وابتعاده عنهم وحرمانهم من سعادتهم ومن الفيوض الربانية حتّى يحتاج إلى تعيين خليفة ونصب نائب ووزير ؟
لأنّا نقول : المستفاد من الكتاب الكريم المؤيّد بقضاء العقول ومقتضى ما طبع وجبل عليه الإنسان من الغرائز ، أنّه كانت حالات الأمم والأقوام الماضين بالنسبة إلى الأنبياء المبعوثين فيهم مختلفة :
فمنهم قوم كانوا يقبلون دعوة نبيّهم ، ويستجيبون لما أنزله اللَّه إليهم ولو كان ذلك بعد إنكار ونفور ، فيؤمنون بهم ، ويعملون الصالحات ، ويعيشون بالخير والصلاح ، كما اتّفق لقوم يونس عليه السلام ، وهم مأة ألف ، أو يزيدون ؛ قال تعالى : « فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنهُمْ إِلَى حِينٍ » « 1 » ، وقال تعالى : « وَأَرْسَلْنهُ إِلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَامَنُواْ فَمَتَّعْنهُمْ إِلَى حِينٍ » « 2 » .
ومنهم قوم كانوا ينكرون الدعوات ، ويكفرون بالمعجزات ، ويستهزئون بالآيات ، ويعاندون الحقّ كلّ العناد ، ويفسدون في الأرض أشدّ الفساد ، ويقتلون الأنبياء ، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، فلا يؤمن منهم إلّاقليل ، وكان يستمرّ ذلك منهم بحيث يحصل اليأس للأنبياء المبعوثين فيهم ؛ إذ تشهد حالهم بعدم إيمانهم ، بل وعدم تولّد نسل منهم يؤمنون باللَّه ، ويعملون الصالحات ، ولم يكن لأنبيائهم والمؤمنين تسلّط عليهم ، وتمكّن من مجازاتهم فيأمر اللَّه أنبياءه بالخروج من بينهم ؛ ليعذّبهم عذاباً ، ويهلكهم إهلاكاً :
1 . فهذا نوح النبيّ عليه السلام ، يقول اللَّه فيه وفي قومه : « قَالَ الْمَلأَ مِن قَوْمِهِى إِنَّا لَنَرَلكَ فِى ضَللٍ مُّبِينٍ » « 3 » ؛ « مَا نَرَلكَ إِلَّا بَشَرًا مّثْلَنَا وَمَا نَرَلكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأْىِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِم بَلْ نَظُنُّكُمْ كذِبِينَ » « 4 » ؛
هامش
( 1 ) . يونس ( 10 ) : 98 . .
( 2 ) . الصافّات ( 37 ) : 147 و 148 . .
( 3 ) . الأعراف ( 7 ) : 60 . .
( 4 ) . هود ( 11 ) : 27 . .