خاتمة في النون الساكنة ومنها التنوين :
اعلم أن للنون الساكنة أربعة أحكام : أولها : الإدغام ، وهو بلا غنة في اللام والراء ، وبغنة في حروف ينمو . ما لم تكن مواصلتها في كلمة واحدة كالدنيا وصنوان وأنمار فإن الفك في ذلك لازم .
والثاني : الإظهار وهو في حروف الحلق الستة العين والغين والحاء والخاء والهاء والهمزة لبعد مخرج النون من مخرجها . والثالث : القلب ميما عند الباء ، ويستوي كونها في كلمة نحو : أنبئهم أو كلمتين نحو : أن بورك ، وموجب هذا القلب أن الباء بعدت من النون وشابهت أقرب الحروف إليها وهي الميم ، لأن النون والميم حرفا غنة ، فلما بعدت عن الباء لم يمكن إدغامها فيها ، ولما قربت بمشابهة القريب منها لم يحسن إظهارها فأوجب التخفيف أمرا آخر وهو قلبها ميما لأنها أختها في الغنة .
والرابع : الإخفاء وذلك إذا وليها شيء من الحروف غير المذكورة وذلك خمسة عشر حرفا يجمعها أوائل هذا البيت :
ترى جار دعد قد ثوى زيد في ضني * كما ذاق طير صيد سوء شبا ظفر
وإنما أخفيت عند هذه الحروف لأنها قربت منها قربا متوسطا لأن حروف الحلق بعدت منها فأظهرت . وحروف لم يرو قربت منها قربا شديدا فأدغمت ، وهذه الخمسة عشر لم تبعد بعد تيك ولم تقرب قرب هذه فأخفيت . والإخفاء حال بين الإظهار والإدغام . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
شرح
قوله : ( ما لم تكن مواصلتها إلخ ) أنت خبير بأن هذا التقييد بالنسبة إلى الياء والميم والواو دون النون ولهذا لم يمثل لمواصلة النون للنون في كلمة لأن إدغام إحدى النونين في الأخرى واجب ولو كان اجتماعهما في كلمة واحدة نحو :فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا( الطور : 27 ) وإضافة مواصلتها من إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله . قوله : ( ويستوى ) أي في القلب ومثله الإظهار والإخفاء كونها أي النون مع الياء . قوله : ( أو كلمتين ) أو بمعنى الواو لأن الاستواء إنما يكون بين متعدد . قوله : ( أن الباء بعدت من النون ) أي في الصفة لأن النون حرف لين أغن والباء حرف شديد مع أن مخرجيهما مختلفان . قوله : وشابهت أي النون وكذا الضمير في بعدت وإدغامها . قوله : ( ولما قربت ) أي النون من الباء . وقوله : بمشابهة إلخ أي بسبب مشابهة النون الحرف القريب من الباء وهو الميم لكون الميم والباء من مخرج واحد ووجه المشابهة كما أسلفه أن كلا من النون والميم حرف أغن ويصح أن يكون قوله منها تنازعه كل من قربت والقريب . قوله : ( لأنها أختها ) أي لأن النون أخت الميم في الغنة . قوله : ( قد ثوى ) بالمثلثة أي أقام وقوله زيد في ضني حال من فاعل ثوى بتقدير قد ، ويحتمل غير ذلك . وقوله كما ذاق راجع لقوله زيد في ضني . وقوله صيد بالبناء للمجهول نعت لطير ، وقوله سوء مفعول ذاق وقوله شبا ظفر بشين معجمة مفتوحة فموحدة أي حدة ظفر الصائد من كلب وصقر ونحوهما . قوله : ( لأن حروف الحلق إلخ ) علة لقوله : قربت منها قربا متوسطا . قوله : ( وحروف لم يرو ) من الرواية أو الري أو الإرواء لا الرؤية وإلا كان حقه أن يكتب بألف بعد الواو لأنها واو جماعة وكتابته بها مخل وحروف لم يرو هي حروف الإدغام أعم من أن يكون بغنة أولا ، وأسقط منها النون لأنه لا يصح أن يقال قربت النون من النون ولأن وجوب إدغام النون الساكنة في النون في غاية الوضوح .