ذلك ويمنه في البدء والختام ، فقال رحمه اللّه وجمعني وإياه في دار السّلام :
(
فأحمد اللّه مصلّيا على * محمّد خير نبي أرسلا
وآله الغرّ الكرام البررة * وصحبه المنتخبين الخيرة
) الحمد للّه أولا وآخرا باطنا وظاهرا ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد سيد المرسلين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وصحبه أجمعين ، صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين .
شرح
يشتغلون بها فلا يحصل الغنى بمسائل العربية . قوله : ( ويمنه ) أي بركته . وقوله في البدء والختام يرد عليه أن المناسب لاقتصاره أولا على مقابلة نعمة الإتمام أن يقال في الختام كالبدء إلا أن يقدر قبل التعليل كما فعل ذلك في الابتداء . قوله : ( وجمعني وإياه في دار السّلام ) اعترض الشارح سابقا على تخصيص الناظم في الخطبة الدعاء بنفسه وبابن معطى بأن الأولى تعميم الدعاء فيعترض على الشارح هنا بمثل ذلك . قوله :
( فأحمد اللّه ) أي فبسبب كمال هذا النظم على الوجه المذكور إلخ . قوله : ( مصليا ) في كون هذه الحال مقدرة أو مقارنة ما سلف في نظيره في الخطبة . قوله : ( خير نبي ) بدل من محمد لا نعت له ولا عطف بيان لاختلاف محمد ، وخير نبي تعريفا وتنكيرا . قوله : ( وآله ) الأولى أن يراد بهم أتباعه كما تقدم بسطه . قوله :
( الغر ) جمع أغر وهو في الأصل الأبيض الجبهة من الخيل ففي الكلام استعارة تصريحية أو تشبيه بليغ ، ويحتمل أن يكون تلميحا إلى ما وصف به نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أمته بقوله : ( أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أثر الوضوء ) . قوله : ( المنتخبين ) أي المختارين . قوله : ( الخيرة ) بكسر الخاء المعجمة وفتح التحتية وسكونها بمعنى الاختيار كما في المصباح فهو مصدر أو اسم مصدر على الخلاف وصف به مبالغة ولهذا التزم إفراده ، وحيث كان المراد من الخيرة هنا المختارين فذكره بعد المنتخبين تأكيد لأن المقام مقام مدح ، قال ابن غازي : ويحتمل أن يضبط هنا بفتح الخاء على أنه جمع خير حكى الفراء قوم خيرة بررة اه . قوله : ( أولا وآخرا ) ظرف عامله الاستقرار الذي هو متعلق الجار والمجرور قبله أو محذوف تقديره أقول ذلك أولا وآخرا واللّه أعلم .
تمّ بعون اللّه تعالى ما قصدته من حاشية نطقت بدقائق هذا الشرح ونكاته ، وكشفت النقاب عن وجوه مخدراته ومخبآته ، وأوضحت من مكنونات أسراره ما خفى على الواقفين ، وأبرزت من عرائس أبكاره ما احتجب عن الناظرين ، فهي جديرة بأن يرد عذب مناهل تحقيقاتها الظامئون ، حقيقة بأن يهتدى بأنوار شموس تدقيقاتها الحائرون ومع ذلك لم أبعها بشرط البراءة من كلّ عيب ، لأن الإنسان محل الخطأ والنسيان بلا ريب ، غير أن كثير الحسنات يمحو قليل السيئات ، فالحمد للّه على ما أولاه والصلاة والسّلام على نبيه الختام .
( قال مؤلفها ) خاتمة المحققين وتتمة المدققين : كان الفراغ من رقم هذه الحاشية ضحوة يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة مضت من صفر سنة 1193 ثلاثة وتسعين ومائة وألف على يد مؤلفها الفقير إلى عفو مولاه ( محمد بن علي الصبان ) عاملهما مولاهما بمزيد الإحسان آمين .