قوله : ( والاستثناء منصرف لما يليه ) أي قوله تعالى : * ( إلا الذين تابوا ) * ( النور : 5 ) راجع إلى قوله :
* ( وأولئك هم الفاسقون ) النور : 4 ) لقوله : * ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) * بخلاف آية المحاربين ،
فإن قوله تعالى : * ( إلا الذين تابوا ) * ( النور : 5 ) راجع إلى الحد لا لقوله : * ( ولهم عذاب عظيم ) * لأنه لو
رجع إليه لما قيد الاستثناء بقبل القدرة ، لان التوبة نافعة مطلقا ، ففائدة التقييد به سقوط الحد به . وقال
الشافعي ومالك وأحمد : تقبل ، لقوله تعالى : * ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا
الذين تابوا ) * ( النور : 4 - 5 ) فإن الاستثناء إذا تعقب جملا بعضها معطوف على البعض ينصرف إلى الكل
كقول القائل : مرأته طالق وعبده حر وعليه حجة إلا أن يدخل الدار ، فإن الاستثناء ينصرف إلى جميع
ما تقدم ، لان هذا افتراء على عبد من عبيد الله تعالى ، والافتراء على الله تعالى وهو الكفر لا يوجب رد
الشهادة على التأبيد ، بل إذا أسلم يقبل فهذا أولى .
ولنا أن قوله تعالى : * ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) * ( النور : 4 ) معطوف على قوله * ( فاجلدوهم ) *
( النور : 4 ) والعطف للاشتراك فيكون رد الشهادة من حد القذف والحد لا يرتفع بالتوبة . ولا نسلم أن
الاستثناء في الآية تعقب جملا بعضها معطوف على بعض ، بل تعقب جملة منقطعة عن جمل بعضها
معطوف على بعض ، لأنه يعقب جملة * ( أولئك هم الفاسقون ) * ( النور : 4 ) وهي جملة مستأنفة لان ما قبلها أمر
ونهي فلم يحسن عطفها عليه ، بخلاف المثال فإن الجمل كلها فيه إنشائية معطوفة فيتوقف كلها على
آخرها ، حتى إذا وجد الغير في الأخير تغير الكل ، والقياس على الكفر ممتنع لفقد شرطه ، وهو أن لا
يكون في الفرع نص يمكن العمل به ، وها هنا نص وهو التأبيد . شمني .
وفي العناية : ولا يمكن صرف الاستثناء إلى الجميع لأنه منصرف إلى ما يليه ، وهو قوله تعالى :
* ( وأولئك هم الفاسقون ) * ( النور : 4 ) وهو ليس بمعطوف على ما قبله ، لان ما قبله طلبي وهو إخباري .
فإن قلت : فجعله بمعنى الطلب ليصح كما في قوله تعالى : * ( وبالوالدين إحسانا ) * ( الاسراء : 23 )
قلت : يأباه ضمير الفصل ، فإنه يفيد حصر أحد المسندين في الآخر وهو يؤكد الاخبارية . سلمناه لكن
يلزم جعل الكلمات المتعددة كالكلمة الواحدة وهو خلاف الأصل . سلمناه لكنه كان إذا ذاك جزاء فلا
يرتفع بالتوبة كأصل الحد وهو تناقض ظاهر . سلمناه لكنه كان أبدا مجازا عن مدة غير متطاولة وليس
بمعهود . سلمناه لكن جعله ليس بأولى من جعل الاستثناء منقطعا بل جعله منقطعا أولى دفعا
للمحذورات ، وتمام الصور على هذا البحث يقتضي مطالعة تقريرنا في تقريرنا في الاستدلالات
الفاسدة اه . قوله : ( إلا أن يحد كافرا في القذف فيسلم فتقبل ) لان للكافر شهادة فكان ردها من تمام
الحد ، وبالاسلام حدثت شهادة أخرى فتقبل على المسلمين والذميين . قوله : ( بعد الاسلام ) قال في
البحر : وضع هذه المسألة يدل على أن الاسلام لا يسقط حد القذف ، وهل يسقط شيئا من الحدود ؟
قال الشيخ عمر قارئ الهداية : إذا سرق الذمي أو زنى ثم أسلم ، فإن ثبت عليه ذلك بإقراره
أو بشهادة المسلمين لا يدرأ عنه الحد ، وإن ثبت بشهادة أهل الذمة فأسلم سقط عنه الحد اه . وينبغي
أن يقال كذلك في حد القذف .
وفي اليتيمة من كتاب السير أن الذمي إذا وجب التعزير عليه فأسلم لم يسقط عنه ، ولم أر حكم
تكملة حاشية رد المحتار — صفحة 543
مساهمون: ابن عابدين ( علاء الدين )
ص٥٤٣