المقصود فيها ، هو صرف وجه الإنسان إلى ما وراء هذه النشأة الطبيعية والمادية . والناس من حيث
درجات الانقطاع إلى الله سبحانه وتعالى ، والإعراض عن هذه النشأة الدنيوية ، على ثلاث طبقات :
« الطبقة الأولى : إنسان تام الاستعداد ، يمكنه الانقطاع قلباًعن هذه النشأة ، مع تمام الإيقان باللازم من المعارف الإلهية ، والتخلّص إلى الحقّ سبحانه وهذا هو الذي يمكنه شهود ما وراء هذه النشأة المادّية ، والإشراف على الأنوار الإلهية ، كالأنبياء عليهم السلام » « 1 » .
وهؤلاء هم الذين عبّر عنهم القرآن الكريم بقوله تعالى :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ
ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
« 2 » . والظاهر أنّ المراد رؤيتها قبل يوم القيامة ، رؤية البصيرة ، وهي رؤية القلب ، على ما يشير إليه قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
« 3 » . وهذه هي طبقة المقرّبين .
« الطبقة الثانية : إنسان تامّ الإيقان ، غير تام الانقطاع من جهة ورود هيئات نفسانية وإذعانات قاصرة ، تؤيسه أن يذعن بإمكان التخلّص إلى ما وراء هذه النشأة المادّية ، وهو فيها . فهذه طبقة تعبد الله كأنّها تراه ، فهي تعبد عن صدق من غير لعب ، لكن من وراء حجاب إيماناً بالغيب ، وهم
هامش
( 1 ) رسالة الولاية ، العلّامة الطباطبائي ، ص 17 .
( 2 ) التكاثر : 7 5 .
( 3 ) الأنعام : 75 .