تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التقوى في القرآن — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
فإذا وصل العبد إلى هذا المقام ، يكون نظره بنور الله « فيرى ما لا يراه الناس ، ويسمع ما لايسمعونه ، ويعقل ما لا يعقلونه ، ويريد ما لا يريدونه ، وإن كانت ظواهر أعماله وصور حركاته وسكناته تحاكي أعمال غيره وحركاتهم وسكناتهم وتشابهها ، فله شعور وإرادة فوق ما لغيره من الشعور والإرادة ، فعنده من الحياة التي هي منشأ الشعور والإرادة ، ما ليس عند غيره من الناس ، فللمؤمن ( المتّقي حقيقة ) مرتبة من الحياة ليست عند غيره . فكما أنّ عموم الناس يشاركون سائر الحيوان في الشعور بواجبات الحياة والحركة الإرادية ، ويشاركها الحيوان ، لكنّ مع ذلك لا نشكّ أنّ الإنسان نوع أرقى من سائر الأنواع الحيوانية ، وله حياة فوق الحياة التي فيها ، لما نرى في الإنسان آثاره العجيبة المترشّحة من أفكاره الكلّية وتعقّلاته المختصّة به ، ولذلك نحكم في الحيوان إذا قسناه إلى النبات ، وفي النبات إذا قسناه إلى ما قبله من مراتب الوجود ، أنّ لكلّ منها درجة أعلى وحياة هي أرقى من حياة ما قبله . كذلك الإنسان الذي أُوتي العلم والإيمان واستقرّ في دار الإيقان ، واشتغل بربّه ، وفرغ واستراح من غيره ، وهو يشعر بما ليس في وسع غيره ، ويريد ما لا يناله سواه ، إنّ له حياة فوق حياة غيره ، ونوراً يستمدّ به في شعوره ، وإرادة لا توجد إلّا معه وفي ظرف حياته » « 1 » .
هامش
( 1 ) الميزان ، مصدر سابق ، ج 7 ص 337 .
التقوى في القرآن — صفحة 43 | السيد كمال الحيدري