يَحْزَنُونَ
« 1 » يدلّ على أنّ المراد منه الدرجة العالية من الإيمان الذي يتمّ معه معنى العبودية والمملوكية المحضة للعبد الذي يرى معه أنّ المُلك لله وحده لا شريك له ، وأن ليس إليه من الأمر شيء حتّى يخاف فوته أو يحزن لفقده .
وذلك أنّ الخوف إنّما يعرض للنفس عن توقّع ضرر يعود إليها ، والحزن إنّما يطرأ عليها لفقد ما تحبّه أو تحقّق ما تكرهه ممّا
يعود إليها نفعه أو ضرره ، ولا يستقيم تحقّق ذلك إلّا فيما يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً متعلّقاً بما يخاف عليه أو يحزن لفقده ، من ولد أو مال أو جاه أو غير ذلك ، وأمّا ما لا علقة للإنسان به بوجه من الوجوه أصلًا ، فلا يخاف الإنسان عليه ولا يحزن لفقده .
والذي يرى كلّ شيء ملكاً طِلقاً لله سبحانه ، لا يشاركه في ملكه أحد ، لا يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً بالنسبة إلى شيء ، حتّى يخاف في أمره أو يحزن ، وهذا هو الذي يصفه الله من أوليائه يقول :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 2 » فهؤلاء لا يخافون شيئاً ولا يحزنون لشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة ، إلّا أن يشاء الله ، وقد شاء أن يخافوا من ربّهم وأن يحزنوا لما فاتهم من كرامته إن فاتهم ، وهذا كلّه من التسليم لله فافهم ذلك . قال تعالى :
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ
وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً
« 3 » .
هامش
( 1 ) يونس : 63 .
( 2 ) يونس : 63 .
( 3 ) الأحزاب : 39 .