واعلموا أنّه من يتق الله يجعل له مخرجاً من الفتن ونوراً من الظلم ، ويخلّده فيما اشتهت نفسه وينزله منزل الكرامة عنده ، في دار اصطنعها لنفسه ، ظلّها عرشه ، ونورها بهجته ، وزوّارها ملائكته ، ورفقاؤها رسله ، فبادروا المعاد وسابقوا الآجال . فإنّ الناس يوشك أن ينقطع بهم الأمل ، ويرهقهم الأجل ، ويُسدّ عنهم باب التوبة .
فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرجعة من كان قبلكم ، وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم . وقد أوذنتم منها بالارتحال ، وأمرتم فيها بالزاد .
واعلموا أن ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار ، فارحموا
نفوسكم ، فإنّكم جرّبتموها في مصائب الدنيا . أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكةتصيبه ، والعثرة تُدميه ، والرمضاء تحرقه ؟ فكيف إذا كانبين طابقين من نار ، ضجيع حجر وقرين شيطان ؟
أعلمتم أنّ مالكاً إذا غضب على النّار ، حطّم بعضها بعضاً لغضبه ، وإذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعاً من زجرته » « 1 » .
« معاشر الناس ، اتّقوا الله ، فكم من مؤمل ما لا يبلغه ، وبان ما لا يسكنه ، وجامع ما سوف يتركه ، ولعلّه من باطل جمعه ، ومن حقٍّ منعه ، أصابه حراماً ، واحتمل به آثاماً ، فباء بوزره ، وقدِم على ربّه آسفاً لاهفاً ، قد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين » « 2 » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة : 183 .
( 2 ) نهج البلاغة ، قصار الحكم : رقم 344 .