تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التقوى في القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
محيطة غير متناهية ، والخلقيات محاط بها متناهية ، وإلى هذا أشير في قوله عزّ من قائل :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي
. . . فالارتقاء في تلك الدرجات سلوك إلى الله ، وفي هذه سلوك في الله ، وينتهي السلوكان بالفناء في التوحيد . واعلم أنّ العبارة عن هذه الدرجات غير ممكنة ، لأنّ العبارة موضوعة للمعاني التي يتصوّرها أهل اللغات ، ثمّ يحفظونها ثمّ يتذكّرونها ثمّ يتفاهمون بها تعليماً وتعلّماً . أمّا التي لا يصل إليها إلّا غائب عن ذاته فضلًا عن قوى بدنه ، فليس يمكن أن يوضع لها ألفاظ فضلًا عن أن يعبّر عنها بعبارة ، وكما أنّ المعقولات لا تدرك بالأوهام ، والموهومات لا تدرك بالخيالات ، والمتخيّلات لا تدرك بالحواس ، كذلك ما من شأنه أن يعاين بعين اليقين فلا يمكن أن يدرك بعلم اليقين ، فالواجب على من يريد ذلك أنّ يجتهد في الوصول إليه بالعيان ، دون أن يطلبه بالبرهان . فهذا بيان ما ذكره الشيخ ، واستثنى الخيال في قوله : ( ولا يكشف عنها المقال غير الخيال ) لما سيبيّن في النمط العاشر ، وهو أنّ العارفين إذا اشتغلت ذواتهم بمشاهدة عالم القدس فقد يتراءى في خيالاتهم أمور تحاكي ما يشاهدونه محاكاة بعيدة جدّاً » « 1 » . وهذا هو معنى قول العرفاء : « إنّ المكاشفة طور وراء طور العقل » « 2 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ج 3 ص 390 . ( 2 ) شرح القيصري على فصوص الحكم ، الفص الإبراهيمي ، ص 179 ، الفصل العزيري ، ص 304 الطبعة الحجرية .