فيها إلى
أن نسوا ما كانوا عليه حال الشدّة ، وقالوا : إنّ هذه الحسنات وتلك السيئات من عادة الدهر فانتهى بهم إرسال الشدّة ثمّ الرخاء إلى هذه الغاية ، وكان ينبغي لهم أن يتذكّروا عند ذلك ويهتدوا إلى مزيد الشكر بعد التضرّع لكنّهم غيّروا الأمر فوضعوا هذه الغاية مكان تلك الغاية التي رضيها لهم ربّهم ، فطبع الله بذلك على قلوبهم فلا يسمعون كلمة الحقّ .
وقوله تعالى :
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
تلويح إلى جهل الإنسان بجريان الأمر الإلهي ( والسنّة الإلهية ) ولذا كان الأخذ بغتةً وفجأةً من غير أن يشعروا به ، وهم يظّنون أنّهم عالمون بمجاري الأمور ، وخصوصيات الأسباب ، وباستطاعتهم أن يتّقوا ما يهدّدهم من أسباب الهلاك بوسائل دافعة يهديهم إليها العلم ، قال تعالى :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
( المؤمن : 83 ) » « 1 » .
وأمّا السنّة الثالثة فقد أشار إليها قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
« 2 » .
قال الراغب في المفردات :
سنستدرجهم معناه نأخذهم درجة فدرجة وذلك إدناؤهم من الشيء شيئاً فشيئاً ، كالمراقي والمنازل في ارتقائها ونزولها « 3 » .
فيكون المراد هنا « الاستدناء من الهلاك ، وتقييد الاستدراج بكونه من
هامش
( 1 ) الميزان ، مصدر سابق ، ج 8 ص 199 .
( 2 ) الأعراف : 182 .
( 3 ) المفردات في غريب القرآن ، ص 167 ، مادة « درج » .