في تناقضات القوى البدنية ، وتزاحمات اللذائذ المادية ، وعذِّب أشدّ العذاب بنفس ما يرى فيه سعادته ولذّته ، فمن المشاهد المعاين أنّ الدنيا كلّما زادت إقبالًا على
الإنسان ، ومتّعته بكثرة الأموال والأولاد ، أبعدته عن موقف العبودية ، وقرّبته إلى الهلاك وعذاب الروح ، فلا يزال يتقلّب بين هذه الأسباب الموافقة والمخالفة ، والأوضاع والأحوال الملائمة والمزاحمة ، فالذي يسمّيه هؤلاء الغافلون سعة العيش ، هو بالحقيقة ضنك وضيق كما قال تعالى :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
« 1 » .
فغاية إعراض الإنسان عن ذكر ربّه ، وانكبابه على الدنيا ، يبتغي به سعادة الحياة وراحة النفس ولذّة الروح ، أن يعذّب بين أطباق هذه الفتن التي يراها نعماً ، ويكفر بربّه بالخروج عن زيّ العبودية ، كما قالت الآية :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ
« 2 » .
وهو الإملاء والاستدراج اللذان ذكرهما الله في قوله
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
( الأعراف : 183 182 ) » . « 3 »
وقد أشارت آيات سورة « فاطر » إلى جملة هذه السنن الإلهية ، الحاكمة
هامش
( 1 ) طه : 126 124 .
( 2 ) التوبة : 55 .
( 3 ) الميزان ، مصدر سابق ، ج 9 ص 308 .