سبحانه ، ليتمّ بذلك أمر دعوتهم إلى الإيمان بالله والعمل الصالح .
فالابتلاءات والمحن نعْم العون لدعوة الأنبياء ، فإنّ الإنسان ما دام على النعمة ، شغله ذلك عن التوجّه إلى من أنعمها عليه واستغنى بها ، وإذا سلب النعمة أحس بالحاجة ، ونزلت عليه الذلّة والمسكنة ، وعلاه الجزع ، فيبعثه ذلك بحسب الفطرة إلى الالتجاء والتضرّع إلى من بيده سدّ خلّته وحاجته ، ودفع ذلّته ، وهو الله سبحانه ، وإن كان لا يشعر به ، وإذا نبّه عليه كان من المرجو اهتداؤه إلى الحقّ ، قال تعالى :
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ
أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
« 1 » .
وأمّا السنّة الثانية فقد أشار إليها قوله تعالى :
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
« 2 » .
تبديل الشيء شيئاً ، وضع الشيء الثاني مكان الشيء الأوّل ، والسيئة والحسنة معناهما ظاهر ، والمراد بهما ما هما كالشدّة والرخاء ، والخوف والأمن ، والضراء والسراء ( أي مطلق ما يسوء الإنسان من الشدائد وما يسرّه ) . وقوله حَتّى عَفَوا لا يبعد أن يكون من العفو بمعنى إمحاء الأثر ، فيكون المراد أنّهم محوا بالحسنة التي أُوتوها آثار السيئة السابقة .
والمعنى المتحصّل من الآية ، أنّنا آتيناهم النعم مكان النقم ، فاستغرقوا
هامش
( 1 ) حم السجدة : 51 .
( 2 ) الأعراف : 59 .