القريب سبب للحادث ، والسبب البعيد سبب للسبب . ويمكن تقريب هذه الحقيقة ، أعني السببية الطولية من خلال مثال حسّي ، « وهي الكتابة التي يكتبها الإنسان بيده وبالقلم ، فللكتابة استناد إلى القلم ، ثمّ إلى اليد التي توصّلت إلى الكتابة بالقلم ، وإلى الإنسان الذي توصّل إليها باليد وبالقلم ، والسبب
بحقيقة معناه هو الإنسان المستقل بالسببية ، من غير أن ينافي بسببيته استناد الكتابة بوجه إلى اليد والقلم » « 1 » .
وإلّا فإنّ القرآن كما يثبت استناد الحوادث إلى أسبابها المادية والطبيعية ، كذلك يصدق استنادها إلى الملائكة ، ومن الواضح أنّه ليس لشيء من هذه الأسباب الطولية استقلال قباله تعالى ، بنحو إذا استند إلى غيره سبحانه ، يكون مانعاً من الاستناد إلى السبب الحقيقي الذي من ورائها
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
« 2 » ، « على ما يقول به الوثنية من تفويضه تعالى تدبير الأمر إلى الملائكة المقرّبين ، فالتوحيد القرآني ينفي الاستقلال عن كلّ شيء من كلّ جهة
لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً
« 3 »
»
« 4 » .
كذلك في المقام ، فإن استناد الحوادث إلى عللها الطبيعية ، لا يمنع من استنادها إلى أسباب معنوية مرتبطة بأفعال الإنسان ، في طول هذه العلل ،
هامش
( 1 ) الميزان ، مصدر سابق ، ج 20 ص 184 .
( 2 ) البروج : 20 .
( 3 ) الفرقان : 3 .
( 4 ) الميزان ، مصدر سابق ، ج 20 ، ص 184 .