وكان جده رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خير أسوة له وقد اختاره امتثالا لقوله تعالى : * ( لقد كان لكم في
رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) * ( 1 ) ودعاه هذا
الاهتمام بالسؤال من أبيه الإمام علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن المناقب الأخلاقية لجده ،
وهكذا يروي قصة اهتمامه قائلا : " سألت أبي ( عليه السلام ) عن مدخل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال : كان
دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك ، فإذا أوى إلى منزله جزء دخوله ثلاثة أجزاء : جزء لله ،
وجزء لأهله ، وجزء لنفسه . ثم جزء جزءه بينه وبين الناس ، فيرد ذلك بالخاصة على
العامة ، ولا يدخر عنهم منه شيئا ، وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل
بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ،
ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم
وبإخبارهم بالذي ينبغي ، ويقول : ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، وأبلغوني حاجة من
لا يقدر على إبلاغ حاجته ، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يقدر على إبلاغها ثبت الله
قدميه يوم القيامة ، لا يذكر عنده إلا ذلك ، ولا يقيد من أحد عثرة ، يدخلون روادا ، ولا
يفترقون إلا عن ذواق ، ويخرجون أدلة .
قال ( عليه السلام ) : فسألته عن مخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كيف كان يصنع فيه ؟
فقال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يخزن لسانه إلا عما يعنيه ، ويؤلفهم ولا ينفرهم ، ويكرم
كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد
بشره ولا خلقه ، ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، ويحسن الحسن
ويقويه ، ويقبح القبيح ويهونه ، معتدل الأمر ، غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أن
يملوا ، ولا يقصر عن الحق ولا يجوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده
أعمهم نصيحة للمسلمين ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مؤاساة ومؤازرة .
فسألته عن مجلسه ، فقال : كان ( صلى الله عليه وآله ) لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ، ولا يوطن
الأماكن وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر
بذلك ، ويعطي كل جلسائه نصيبه ، ولا يحسب من جلسائه أن أحدا أكرم عليه منه ، من
هامش
1 - سورة الأحزاب ، الآية 21 .