وسوف تجد أيها القارئ الكريم في الفصل الثاني من الكتاب تطبيقات الإمام
الحسين ( عليه السلام ) لهذه التوجيهات الأخلاقية التي سمعها ونقلها ، فكان مثالا شامخا للعالم
العامل بعلمه .
وأخيرا تأمل في إحدى خطبه الأخلاقية الرائعة ، وأنت ترى نفسك أحد المخاطبين له :
" يا أيها الناس نافسوا في المكارم ، وسارعوا في المغانم ، ولا تحتسبوا بمعروف لم
تعجلوا ، واكسبوا الحمد بالنجح ، ولا تكتسبوا بالمطل ذما ، فمهما يكن لاحد عند أحد
صنيعة له رأى أنه لا يقوم بشكرها فالله له بمكافاته ، فإنه اجزل عطاء وأعظم أجرا .
واعلموا ان حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم ، فلا تملوا النعم فتحور نقما .
واعلموا أن المعروف مكسب حمدا ، ومعقب أجرا ، فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه
حسنا جميلا يسر الناظرين ، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا ( 1 ) مشوها تنفر منه
القلوب ، وتغض دونه الأبصار .
أيها الناس من جاد ساد ، ومن بخل رذل ، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجو ،
وان اعفى الناس من عفى عن قدرة ، وان أوصل الناس من وصل من قطعه ، والأصول
على مغارسها بفروعها تسمو ، فمن تعجل لأخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا ، ومن
أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته ، وصرف عنه من
بلاء الدنيا ما هو أكثر منه ، ومن نفس كربة مؤمن فرج الله عنه كرب الدنيا والآخرة ،
ومن أحسن أحسن الله إليه ، والله يحب المحسنين " . ( 2 )
يعلق العالم الجليل الإربلي على هذا الخطاب قائلا : هذا الفصل من كلامه ( عليه السلام ) وإن كان
دالا على فصاحته ، ومبينا عن بلاغته ، فإنه دال على كرمه ، وسماحته ، وجوده ، مخبر عن
شرف أخلاقه وسيرته ، وحسن نيته وسريرته ، شاهد بعفوه وحلمه وطريقته ، فإن هذا
الفصل قد جمع مكارم الأخلاق : لكل صفة من صفات الخير فيها نصيب ، واشتمل على
مناقب عجيبة ، وما اجتماعها في مثله بعجيب .
هامش
1 - السمج : القبيح والخبيث .
2 - كشف الغمة 2 : 29 ، الفصول المهمة 169 . - بحار الأنوار 78 : 121 حديث 4 ، أعيان الشيعة 1 : 620 .