فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادق ، عامتهم من التابعين ، ونحو
من مائتي رجل من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقام فيهم خطيبا " فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أما بعد : فان هذا الطاغية - يعني معاوية - قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم ، وعلمتم
وشهدتم ، واني أريد أن أسألكم عن شئ فإن صدقت فصدقوني ، وإن كذبت فكذبوني ،
اسمعوا مقالتي ، واكتبوا قولي ، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم ، فمن أمنتم من الناس ،
ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقنا ، فاني أتخوف أن يدرس هذا الأمر ويغلب ،
والله متم نوره ولو كره الكافرون " .
- يقول الراوي - : وما ترك شيئا مما أنزله الله فيهم من القرآن إلا تلاه وفسره ، ولا شيئا
مما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في أبيه وأخيه وفي نفسه وأهل بيته إلا رواه .
وفي كل ذلك كان يقول أصحابه : اللهم نعم ، قد سمعنا وشهدنا ، ويقول التابعي : اللهم
قد حدثني به من أصدقه وأئتمنه من الصحابة فقال ( عليه السلام ) : " أنشدكم الله إلا حدثتم به من
تثقون به وبدينه . . " .
وكان هذا المؤتمر أول مؤتمر إسلامي عرفه المسلمون بعد مؤتمر يوم الغدير الذي
جمع النبي ( صلى الله عليه وآله ) المسلمين في حجة الوداع . وهكذا قد شجب الإمام الحسين ( عليه السلام ) سياسة
معاوية ودعا المسلمين لإشاعة فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وإذاعة مآثرهم التي حاولت
السلطة الأموية حجبها عن المسلمين ( 1 ) .
وترى في هذا الموقف أخلاقية الدعوة إلى الحق ، والحكمة العملية في الإقناع بالدليل
والمنطق العذب . فقد جمعهم الحسين ( عليه السلام ) وتواضع لهم في الحديث قائلا : " أريد أن
أسألكم عن شئ فإن صدقت فصدقوني وإن كذبت فكذبوني " .
هكذا هم أهل الحق لا يشكون في أنفسهم أنهم على حق ، ولكنهم يريدون الالتزام
بالأخلاق لتبقى هذه القيم هدفا ساميا في الحياة .
نعم . . وهذه طريقة الحسين الأخلاقية في التذكير بالحق والقيم الإيمانية واعتماد
التوعية الجماهيرية ، وبذلك يعلم الحسين ( عليه السلام ) الخطباء والعلماء والموجهين والحكام
قيمة المبادئ الحقة وقيمة الناس ، فذلك أقرب إلى التقوى .
هامش
1 - حياة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ج 2 ص 228 - 229 .