لابنك غلام سفيه يشرب الشراب ، ويلعب بالكلاب . ولا أعلمك إلا قد خسرت نفسك
وأوبقت دينك وأكلت أمانتك وغششت رعيتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل وأخفت
التقي الورع الحليم وتبوأت مقعدك من النار ، فبعدا للقوم الظالمين . والسلام على من
اتبع الهدى " ( 1 ) .
إن موقف الإمام الحسين ( عليه السلام ) هذا الذي أبداه في جواب معاوية ، أربك معاوية بحيث
فوجئ به ، وهو في أواخر أيامه ، وقد استنفذ كل الجهود واستعد ليجني ثمارها ، فإذا به
يواجه " أسدا " من بني هاشم يثور في وجهه ، ويحاسب على جرائمه التي تكفي واحدة
منها لإدانته أمام الرأي العام ، فكان يقول : " إن أثرنا بأبي عبد الله إلا أسدا " .
إن الحسين ( عليه السلام ) باتخاذه هذا الموقف من معاوية ، وضع أمام إنجازاته حجرة عرقلت
سيرها ، وأوقفت إنتاجها السريع ، مما جعل معاوية يفكر ويخطط من جديد ، ولكن كبر
السن لم يساعده ، والأجل لم يمهله ، وإن كان قد فتح للحسين صفحة في وصاياه لابنه من
بعده ( 2 ) .
ومن حق معاوية هنا أن لا يتذكر كلمة خالدة قالها رسول الله في سبطه الحسين " حسين
مني وأنا من حسين " وأنى لمعاوية أن يتذكر وقد نسي ذكر الله فأنساه الله ذكره ومودة أهل
الذكر معا . ولو كان لعرف ذلك لتذكر أن الحسين أولى من يطبق كلمة جده : " أفضل الجهاد
كلمة حق أمام سلطان جائر " فرسالة الحسين ( عليه السلام ) إحياء لهدف البعثة النبوية الشريفة التي
عنونها النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو صاحب الخلق العظيم قائلا : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " .
فجهاد الحسين ( عليه السلام ) مثل جهاد النبي ( صلى الله عليه وآله ) يصب مؤداه إلى إتمام مكارم الأخلاق . وقد أماتها
معاوية باحيائه للجاهلية . فكان لابد من الحسين السبط وهو الامتداد الرسالي لجده
الرسول الكريم . فالرسول ( صلى الله عليه وآله ) واجه أبا سفيان ، بينما الإمام علي والحسن ( عليهما السلام ) واجها
معاوية ، وكان الحسين في وجه معاوية ويزيد . تأمل في طبيعة هاتين المواجهتين لتعرف
الحق وأهله على طول الحياة .
هامش
1 - الحسين ( عليه السلام ) سماته وسيرته : ص 116 - 120 نقلا عن تاريخ ابن عساكر .
2 - نفس المصدر .