وهنا تعالوا نتوقف عند هذه الرواية لنرى ماذا كان غير الكرم
الحسيني ؟
أولا : إن الإمام الحسين عليه السلام أنسى الأعرابي مسألته وحاجته
فارتفع حرجه ، وذهبت عنه ذلته . . وليس ذلك فحسب ، فإنه سلام الله عليه
غير جو المسألة والحاجة والطلب ، إلى جو السؤال والجواب والعلم ، فإذا
بالأعرابي يجد نفسه أمام عالم يريد أجوبة منه ، وإن تظاهر ذلك العالم أنه
يحب أن يسمع إجابات المسائل الثلاث ، حتى تساءل الأعرابي متعجبا : يا ابن
رسول الله ! أمثلك يسأل مثلي وأنت من أهل العلم والشرف ؟ ! وهذا يدل على
أن الأعرابي لم يشعر أنه في جو امتحان ، إنما في جو علمي تطرح فيه الأسئلة ،
ويطلب منه ما ينفع المستمعين . فأجاب على أي الأعمال أفضل ؟ وما النجاة
من الهلكة ؟ وكان السؤال الثالث ، ما يزين الرجل ؟ فأجاب : علم ، معه حلم .
ويبدو أن الأسئلة الثلاثة قد انتهت ، ألا أننا نرى أن أسئلة أخرى قد طرحت
بصيغة متتابعة ، وهي : فإن أخطأه ذلك ؟ وإذا لم تكن أسئلة فهي تفريعات على
السؤال الثالث ، ولم نسمع من الأعرابي اعتراضا على تجاوز السؤال الثالث إلى
الرابع فالخامس فالسادس ، أو قل إن شئت على التفريعات الإضافية الثلاثة
للسؤال الثالث ، إنما مضى يجيب ، وكأنه نسي أنه قد جاء بحاجة وهي قضاء
دية كاملة في عاتقه ، مما يدل على أن الإمام الحسين سلام الله عليه قد خلق له
جوا آخر ذهب فيه عن الأعرابي ما قد أحرجه من السؤال في قضاء حاجته .
ودليل بين على ذلك أن السؤال الأخير قد أجاب عليه بجملة دعت الحسين
عليه السلام يضحك ، فكان جو إخاء ومفاكهة ، ومفاكهة الإخوان من الأخلاق
الفاضلة ، لا سيما إذا كانت معقولة لا إسراف فيها ، وجاءت مذهبة للهم ، مزيلة
الأخلاق الحسينية — صفحة 86
مساهمون: جعفر البياتي
ص٨٦