والحاجة المحرجة ، فيكف يده ولسانه عن السؤال ، ولا يبذل ماء وجهه للناس .
وهو سلام الله عليه شجع على الإحسان لأنه يحبه ، وكافأ عليه ليسود
المعروف ، ولا ينقطع سبيله ، وأكرم القادم عليه وإن كان متوهما ، فحفظ عليه
ماء وجهه . فبذلك جمع إلى السخاء المادي ، السخاء المعنوي ، ورد الغلام العبد
إلى أهله حرا مكرما ، مسرورا مطمئنا ، قد رفع عنه هم العيش وذلة الرق
والعبودية للناس .
وليس عجيبا أن يصدر ذلك من رجل ورث أكرم الخلق ، محمدا صلى
الله عليه وآله ، إنما العجيب حقا أن يبخل على هذا الكريم بقطرة ماء ، بعد أن
أجهده القتال أمام الآلاف المؤلفة من جيش عمر بن سعد ، وقد قال له الشمر :
لا تذوقه حتى ترد النار ، وناداه رجل : يا حسين ! ألا ترى الفرات كأنه بطون
الحيات ؟ فلا تشرب منه حتى تموت عطشا ( 1 ) . من هوان الدنيا على الله ، إذ
يشتد العطش بالكريم ، فيحول بينه وبين الماء لئيم .
وقد عرف الإمام الحسين سلام الله عليه بصدقات السر . . يقول العالم
الشيخ جعفر التستري رضوان الله عليه في جملة خصائص الحسين عليه
السلام : ومنها : الصدقات ، فقد تحققت منه خصوصية فيها ، ما سمعت من
غيره ، وذلك أنه رأوا في ظهره يوم الطف ثفنات ( 2 ) ، فسئل السجاد - ولده -
عليه السلام عنها فقال : إن ذلك مما كان ينقله في الليل على ظهره للأرامل
والأيتام . قال الراثي :
هامش
1 - مقاتل الطالبيين ، لأبي الفرج الأصبهاني : 47 .
2 - جمع ثفنه ، ما في ركبة البعير وصدره ، من كثرة مماسة الأرض .