في المفاداة دونه ، أوقفهم على غامض القضاء بأنه مقتول غدا وكلهم
مقتولون ( 1 ) ، فقالوا بأجمعهم : الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك ، وشرفنا بالقتل
معك ، أو لا نرضى أن نكون معك في درجتك يا ابن رسول الله ؟ ! فدعا لهم
بالخير ( 2 ) ، وكشف عن أبصارهم فرأوا ما حباهم الله من نعيم الجنان ، وعرفهم
منازلهم فيها ( 3 ) .
ولما فرغ عليه السلام من الصلاة يوم عاشوراء قال لأصحابه :
يا كرام ! هذه الجنة قد فتحت أبوابها ، واتصلت أنهارها ، وأينعت
ثمارها ، وهذا رسول الله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يتوقعون قدومكم ،
ويتباشرون بكم ، فحاموا عن دين الله ودين نبيه ، وذبوا عن حرم الرسول .
فقالوا : نفوسنا لنفسك الفداء ، ولدماؤنا لدمك الوقاء ، فوالله لا يصل إليك وإلى
حرمك سوء وفينا عرق يضرب ( 4 ) .
إنها الرحمة الحسينية تجعل المر شهدا . .
وقف جون مولى أبي ذر الغفاري أمام الحسين عليه السلام يستأذنه ،
فقال عليه السلام : يا جون ! إنما تبعتنا طلبا للعافية ، فأنت في إذن مني . فوقع
جون على قدميه يقبلهما ويقول : أنا في الرخاء ألحس قصاعكم ، وفي الشدة
أخذلكم ! إن ريحي لنتن ، وحسبي للئيم ، ولوني لأسود ، فتنفس علي بالجنة
ليطيب ريحي ، ويشرف حسبي ، ويبيض لوني . . لا والله لا أفارقكم حتى يختلط
هذا الدم الأسود مع دمائكم . فأذن له الحسين ( 5 ) ، فقتل خمسا وعشرين وقتل ،
فوقف عليه السلام وقال : اللهم بيض وجهه ، وطيب ريحه ، واحشره مع محمد
هامش
1 - نفس المهموم : 122 . وأسرار الشهادة .
2 - نفس المهموم : 122 .
3 - الخرايج والجرايح ، للراوندي .
4 - أسرار الشهادة : 175 .
5 - مثير الأحزان ، لابن نما : 33 . واللهوف : 61 .