وثبتت الشجاعة الحسينية موقفا صغر عنه الكثير حتى من رفض بيعة
يزيد ، فسرعان ما انزووا ، أو بايعوا بدعوى نحن مع الأقوى ، وقد رضي البعض
بالمناصب وبعضهم بالهدايا والأموال ، وحتى من بقي منهم فإنه بقي على
هامش الأحداث ، ولبني أمية طمع فيه وأمل . . إلا الإمام الحسين سلام الله عليه ،
فقد زرع اليأس في قلوب الأعداء ، وجرى ذلك اعترافا على ألسنتهم .
وحديث ( عقبة بن سمعان ) يفسر حال الحسين عليه السلام ، حيث قال :
صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ، ومنها إلى العراق ، ولم أفارقه حتى قتل ،
وقد سمعت جميع كلامه ، فما سمعت منه ما يتذاكر فيه الناس من أن يضع يده
في يد يزيد ، ولا أن يسيره إلى ثغر من الثغور ، لا في المدينة ولا في مكة
ولا في الطريق ولا في العراق ولا في عسكره إلى حين قتله ( 1 ) .
وكتب عبيد الله بن زياد كتابا - بتأثير من الشمر - إلى ابن سعد : أما بعد ،
إني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ، ولا لتطاوله ، ولا لتمنيه السلامة ،
ولا لتكون له عندي شفيعا . انظر ، فإن نزل حسين وأصحابه على حكمي فابعث
بهم إلي سلما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم ، وتمثل بهم ، فإنهم لذلك
مستحقون . فإن قتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ، ولست أرى أنه
يضر بعد الموت ولكن على قول قلته لو قتلته لفعلت هذا به . فإن أنت مضيت
لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، وخل
بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فإنا قد أمرناه بذلك ( 2 ) . فلما جاء
الشمر بالكتاب قال له ابن سعد : ويلك ! لا قرب الله دارك ، وقبح الله ما جئت به ،
وإني لأظن أنك الذي نهيته ، وأفسدت علينا أمرا رجونا أن يصلح ، والله لا
هامش
1 - تاريخ الطبري 6 : 235 .
2 - تاريخ ابن الأثير 4 : 23 .